الكيزان: من أين جاء هؤلاء؟

عبد الله علي إبراهيم

(تطرقت الدكتورة ناهد محمد الحسن إلى مشروعي في دراسة الأصولية الإسلامية على بينة من مفهوم فرانز فانون لجغرافيا الاستعمار التي شقت المستعمرة عالماً مانوياً قوامه فضاء حديث وآخر تقليدي. وهي أفكار أذعتها في كتاب بالإنجليزية هو “هذيان مانوي: القضائية الاستعمارية الثنائية والتجديد الإسلامي في السودان، 1898-1885” (بريل 2008). ونشرت طرفاً منه في كتاب في العربية هو “الشريعة والحداثة” الصادر في طبعتين: الأولى من دار الأمين بالقاهرة والأخرى من هيئة الصحافة والنشر بوزارة الثقافة.

ولمزيد من الضوء على هذا المشروع أنشر هنا مقدمتي لكتاب “الشريعة والحداثة” لتخصيب المناقشة التي تفضلت الدكتورة ناهد بإثارتها بجنان فكري ثابت).

يريد هذا الكتاب أن يدرس منشأ التجديد الاسلامي المستفحل في السودان الذي هو وجه من وجوه صحوة إسلامية مشاهدة تواضعنا على وصفها ب”الأصولية الإسلامية”. ويفارق نهجنا في الكتاب التناول الدارج الذي يري في “الأصولية الاسلامية” تقهقراً من وعثاء الحداثة إلى طمأنينة التقليد الديني وأمنه. وهذا نهج أخذناه من نظرية التحديث التي سادت فكرنا والقائلة إن الحداثة خطة وقعت للغرب وستعيد نفسها بحذافيرها في المجتمعات التقليدية في غير الغرب والعاقل من تدبر.

ومن بين المنظرين الآن من يطعن في منطوق هذه النظرية. وقال بعضهم إنه من قلة الحيلة أن نقبل بغير مساءلة مفهومي الحداثة والتقليد نفسيهما وكأنهما ضربة لازب. فقد ساقنا قبولنا للمفهومين بغير تحوط إلى النظر اليهما كواقعتين صفاتهما باطنة خلتا من القوة والجبر. وترتب على ذلك أن بدا لنا أن المستقبل للحداثة لأنها أميز وألطف ومتمدنة بينما التقليد نقص وردة ورجعية. ولم نتحفظ وأطلقنا هذا القول على عواهنه. فلم تأتنا الحداثة كبرنامج بري محايد يدعو لنفسه بالحكمة والموعظة الحسنة. لقد جاءتنا الحداثة على فوهة بندقية وما تعارفنا على تسميته ب”التقليد” ما هو إلا فرزاً سلطانياً من موقع الشوكة.

ولفضح عنف الحداثة استصفينا أن ننظر إلى حالة ملموسة هي نزاع القسم الشرعي والمدني في القضائية. وسيري القارئ كيف أن التقليد لم يولد تقليداً وإنما هو ما شاءت له الحداثة المزعومة أن يكون كذلك. . .  فكان بقوة التشريع ومقتضي الحزازات ونفرة السلاح.

لم نأخذ الدين في كتابنا هذا كنظام مغلق على نفسه، بل عالجناه في سياقه السياسي والتاريخي. واعتمدت نحو هذه الغاية مفهومات ثلاث. أولهما أننا عدنا إلى الدين بعد طول إهمال لننتفع به في تحليل الحركات الاجتماعية التي حسبنا أنه مما يستقيم بغير نظر للدين. وهي عودة فارقنا بها الطريق ذا الاتجاه الواحد في ثنائية النقل (الدين) والعقل الذي يجعل الآخر موضوعاً لنقد وتصويب الأخير. فقد رأينا أن الدين أيضاً أساس راشد لنقد المجتمع والحياة والعقل الحداثي الذي أنجبهما. وثاني هذه المفهومات هو إقرارنا بأن الأصولية، شئنا أم أبينا، حركة اجتماعية مكنت للمسلمين، في قول لويس برينر، أن يدخلوا أفواجاً في حقول السياسة كمسلمين مستحقين.

والمفهوم الثالث والأهم هو أخذنا للأصولية الاسلامية كوجه من وجوه الاجتهاد في مأزق دولة ما بعد الاستعمار التي بقيت أجندة تحررها من ربقة الاستعمار بغير تنفيذ. ولقد ترتب على أخذنا الأصولية الإسلامية كتفكر مشروع في الخروج من هذا المأزق أن عددناها طموحاً من بين طموحات كثيرة تريد أن تنزع أوروبا عن مركزيتها القابضة.

ولفهم الأصولية الإسلامية كمشروع للتحرر من الاستعمار ركزنا في هذا المبحث على تاريخ القضائية السودانية التي اتسمت منذ نشأتها في أول القرن الماضي وحتى 1980 بنزاع بين قسمها المدني المنسوب إلى الحداثة، والذي له الجاه والهيبة، وقسمها الشرعي، المنسوب إلى التقليد، المستضعف.  وهذه قِسم سياسية كان فرانز فانون، المفكر ذو الاصول المارتينيكية ممن ظاهر ثورة الجزائر وكانت كتاباته هدياً كبيراً لنازعات الستينات التحررية، قد أطلق عليها “الجغرافيا المانوية” للاستعمار. و”المانوية” نسبة إلى مان، صاحب الديانة الفارسية الذي اعتقد في انقسام العالم إلى قوي ثنائية مستقطبة من خير وشر يدور بينهما صراع درامي أزلي. فمن رأيه أن الاستعمار ما حل ببلد حتى شقه إلى فضاءين: الفضاء الأوربي الذي بيده الحول والطول ومستودع القيم الباقية، وفضاء “الأهالي” المغلوب على أمره، المستضعف، وخزانة القيم الآفلة. فقال في كتابه “معذبو الأرض” إن إقليمي الجغرافيا الاستعمارية، الأوربي والأهالي، متعارضان بلا طائل وبلوغهما شكل أعلي من الوحدة من ثالث المستحيلات لأن الفضاء الأوربي طفيلي قدره المحو والإهلاك. ويتولد من حرب الفضاءين اللدودة ما أسماه فانون ب “الهذيان المانوي”. أي أن ثنائية فضاءات الاستعمار، المتجذرة في الشوكة والاستضعاف، مما يخرج عن المعقول ويضرب في العبط يتخبط به الأهالي بين الفضاءين كمن بهم مس.

وسيرى القارئ مثلاً لهذا الهذيان في صراع قسمي القضائية، المدني المحدث والشرعي “الأهالي”. كما لمسنا طرفاً من هذا الهذيان المانوي في فصول أخيرة اختصت بتحليل وجوه من الثنائية الاستعمارية في حقل التعليم الذي انشطر إلى تعليم حديث مثلته كلية غردون (1902 وجامعة الخرطوم لاحقاً) في السودان والمعهد العلمي (1910 وجامعة أم درمان الاسلامية لاحقاً).

يندرج الكتاب في جنس كتابي يريد للأدمغة أن تنعصف وللذات أن تعاب طلباً للحكمة. فمن استسهال طلب الحكمة لوم الآخرين في زمان خابت فيه العقائد وانطفأت زهرتها وذبلت أنوارها. فالكاتب الراهن كان في طليعة حركة الحداثة والعلمانية تنكبت السبيل فانهزمت شر هزيمة علي يد من استرخصنا قوتهم ومشروعيتهم بقولنا إنهم جحافل الهوس الديني. وأحزنني خبو ما أشرقت به نفسي في الصبا من العقائد السديدة التي التمسنا بها تغيير العالم إلى الأفضل. وجرعني ذلك الغصص.

ولست أريد مع ذلك أن أعيد تعبئة مرارتي كعلم نافع عن الأصولية الدينية. فإذا نظرت في الذي يذاع في الغرب عن هذه الأصولية وجدته مما يصدر عن محدثين وعلمانيين مسلمين تفرقوا أيدي سبأ بعد أن شتت الأصوليون الإسلاميون جحفلهم فضربوا في الآفاق يسلقونههم بألسنة حداد. وقد هيأت كتابات هؤلاء المسلمين المحدثين الحاقنين الجمهور الغربي الجهول بدقائق الاسلام (أو المغرض) إلى ما سماه سكوت فيتزجيرلد، الروائي الامريكي، ب”الأضلولة”. وقد جاء قوله هذا في سياق تحذير للكتاب الفقراء الذين يكتبون عن عوالم الاثرياء فلا يبلغون من ذلك إلا الأكاذيب. فالأغنياء في قول فيتزجيرلد هم قبيل مختلف جداً. واقترب من هذا المعني محمد فؤاد نجم حين ذكر الزمالك وعرفها بنفي أن تكون حياتها مثل حياة حارة مصرية. وقد ظللت أذكر نفسي بنصيحة فيتزجيرلد حتى لا أكتب كتاب هجاء في الأصولية وأنا الزعيم بكتابة دراسة عنها. فلا أريد لدراستي أن تكون قناعاً استتر به للتشفي من الأصولية.

لم أرد للصورة المغايرة لمألوف الحداثيين من عترتي عن الأصولية الاسلامية أن تغري من لم يستلطفها من قبل باستلطافها بعد قراءة كتابي هذا. وربما كان أقصى مأمولي من هذا البحث المغاير أن أقنع من اضطغن شيئاً على تلك الأصولية أن يؤسس ضغينته على بصيرة وهدي وعلم.

وأنتهز السانحة لأعترف بفضل جماعة خيرة من الناس على هذا الكتاب. فأنا ممنون للدكتور طارق البشري الذي تكرم مشكوراً بتقديم الكتاب إلى القارئ. وهذا تشريف يلجم لسان الشكر. وأولى الاستاذ حلمي شعراوي الكتاب غاية عنايته وهو غير راض عن جملة من حججه. وهذه سماحة عنه معروفة. وقد انتدب له من جنده في مركز الدراسات العربية السيدة حنان فاستوفت العهد. ولا أنسى صديقي المجرب الدكتور تاج السر الريح الذي نهض بمراجعة مسودة الكتاب الأخيرة بحذق جبل عليه وغيرة على العربية. ثم أخيراً وليس آخراً السيد أمين صاحب دار الأمين بالقاهرة الذي لم يرد لي مخطوطاً واحتفى بهذا الكتاب احتفاءه ب “الثقافة والديمقراطية في السودان” الصادر عن داره في 1996.

Exit mobile version