هل انتهت الحرب؟ لا. هل انتصرنا؟ لا. هل تخلى أعداؤنا عن خططهم في الاستيلاء على مقدراتنا ونهب ثرواتنا؟ مؤكد لا.
إذن، فيما هذه اللامبالاة والانصراف عن ساحة المعركة لجمع الغنائم والصراع على الكراسي؟ هل تعلمون أن اللامبالاة اليوم تعني الاستسلام غداً.؟
الغريب الا احد يجادل في أن الخطر الوجودي على بلادنا لا يزال قائماً وحتى إذا سألتهم: كيف يمكن أن نكافح هذا الخطر ونصده، ونحن ننفضّ من حول الجيش، والجيش نفسه ترك أخطر أسلحته — وهو الشعب — خلفه؟ لاذوا بالصمت وتركوا لك رماد الأسئلة.
ما أثاره مقالي الأخير («هل سنترك الجيش يحارب وحده؟») من ردود أفعال جعلني أقول: يا إلهي، متى تأتي القيامة؟! يبدو لي أنها الحل الوحيد لما نعانيه من قلة عقل وعدم اكتراث باللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد. تلك الردود جعلتني أكثر حماساً لمواصلة الطرق على هذه الفكرة، لعل هذه الطبول توقظ النائمين .
أرجو أن تركزوا معي جيداً حتى لا تنفتح أبواب الضلال مرة أخرى، فتُزيَّف الحقائق الصلبة حين تنفتح الأسئلة الكبرى. سألقي عليكم قولاً ثقيلاً.
2
على بعد كيلومترات قليلة من حدودنا الشرقية مع إثيوبيا (20 كيلومتراً)، أُقيمت معسكرات للمرتزقة والجنجويد — تضم عشرة آلاف جندي — على مساحة عشرة آلاف فدان. تدججت هذه المعسكرات بكافة أنواع الأسلحة التي تحملها يومياً الطائرات من مطارات أبوظبي المختلفة.
تحقيق رويترز المنشور في 10 فبراير 2026 يكشف أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً في إقليم بني شنقول-قمز قرب الحدود مع السودان، لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع. وأظهرت صور الأقمار الصناعية توسع الموقع، كما نقلت عن مذكرة أمنية إثيوبية أن 4300 مقاتل كانوا يتدربون هناك مطلع يناير، وأن سعة المعسكر قد تصل إلى 10 آلاف مقاتل. كما وثّق التقرير أعمالاً إنشائية في مطار أصوصا، من بينها ما وصفه خبير عسكري بأنه محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة وهوائي أقمار صناعية.
الأهم أن رويترز أكدت بوضوح أن تمويل إنشاء المعسكر ودعمه اللوجستي والعسكري يأتي من الإمارات، بحسب مصادر ومذكرة داخلية وتسريب دبلوماسي. وتشير تقارير أخرى إلى أنه تم سحب كل الأسلحة والمعدات من قاعدة بوصاصو في الصومال ونقلها إلى معسكر أصوصا.
الآن، شرقاً، لديك آلاف الجنود مدججين بأحدث الأسلحة والطائرات المسيّرة من أحدث الطرز ( أقسمت تركيا أنها باعتها للإمارات وليس لإثيوبيا أو الجنجويد)، وكل ذلك محمي من دولة إثيوبيا «الشقيقة» بتمويل إماراتي. حدودنا الشرقية مكشوفة تماماً، مما يجعلها هشة وسهلة الاختراق. ومعلوم أيضاً أن التدريب في تلك المعسكرات يتولاه ضباط استخبارات إسرائيليون. سقوط الكرمك بيد الجنجويد ومرتزقة جوزيف توكا لم يكن مفاجئاً، لا للحكومة ولا للمتابعين. والمؤسف أنه لم يثر غضب الشعب، بل تجاهلته الحكومة (نفس قصة: «ما تسقط سقطت برلين»). 3 هذا ما يجري شرقاً، فماذا عن الغرب؟ لا يزال الملعون عبد الرحيم دقلو يطوف القرى والفرقان يحشد الشباب لمعاركه المتصلة. والحكومة تعرف أنه في هذه اللحظة هناك حشود بالآلاف باتجاه الطينة، وأخرى تحشد باتجاه الأبيض، وتتدفق عليها الأسلحة من الحدود الليبية والتشادية، إضافة إلى عشرات الطائرات التي تهبط أسبوعياً في مطار نيالا محملة بأحدث الأسلحة والمعدات والفنيين. والحكومة تعلم ذلك جيداً، بل إن الصحافة العالمية وثّقت ما يجري هناك بدقة في تقاريرها. تقرير لوموند في 22 مارس 2026 يشير إلى «إعادة هندسة خطوط الإمداد»، لا سيما ربط إثيوبيا وأفريقيا الوسطى وليبيا في شبكة واحدة. يقول التقرير إن أبوظبي أعادت تنظيم شبكات الإمداد إلى الدعم السريع عبر إثيوبيا وأفريقيا الوسطى، ويتحدث عن رحلات شحن متكررة لطائرتين من طراز A300 مسجلتين في أفريقيا الوسطى، تنطلق من الفجيرة إلى أديس أبابا، إضافة إلى مسارات أخرى يصعب تتبعها لأن أجهزة الإرسال تُطفأ أحياناً. كما ينقل عن مصادر أمنية ودبلوماسية أن شحنات السلاح كانت تمر عبر بانغي ثم بيراو قبل سقوط الفاشر، ويؤكد أن ليبيا — وخصوصاً الكفرة وبرقة تحت نفوذ حفتر — لا تزال من الممرات الرئيسية لتسليح الدعم السريع. التقرير أشار أيضاً، نقلاً عن إذاعة فرنسا الدولية (RFI)، إلى نحو 600 رحلة مرتبطة بأبوظبي إلى قاعدة الكفرة عام 2025 قبل مواصلة الطريق إلى حاميات الدعم السريع في الفاشر ونيالا. ما أدهشني في هذه التقارير ليس تدفق الأسلحة فقط، بل المعلومات الخاصة الواردة من نيالا التي تؤكد أن هذه الطائرات التي تزود المليشيات بالسلاح تعود للامارات محملة بعشرات — بل مئات — أبناء الماهرية، حتى بلغ عددهم حتى الآن — بحسب تقارير خاصة — أكثر من اثني عشر ألفاً! لماذا؟ تلك قصة أخرى سنعود إليها لاحقاً. 4 غرباً أيضاً، أصبحت تشاد تعيث في حدودنا فساداً، وتخترقها كما يحلو لها بدعوى مطاردة المليشيا، بينما هي في الحقيقة تخوض معها الحرب، وتفتح لها الطريق، وتساندها في محاولاتها للاستيلاء على الطينة، وربما تتوغل قريباً في الداخل لتدخل الحرب علناً من داخل حدودنا. وهي التي دخلتها منذ اليوم الأول بفتح أراضيها لمعسكرات الجنجويد ولعبور السلاح والمرتزقة. إذن، الجيش التشادي على أهبة الاستعداد للدفع بقواته إلى المعركة لصالح المليشيا. 5 وماذا يدور على حدودنا مع ليبيا؟ لا تزال المعسكرات مفتوحة في الكفرة وعلى الحدود وداخل ليبيا نفسها، ويحشد فيها المرتزقة من كل حدب وصوب. وقد أدهشتني بعض التقارير بأن المرتزقة لم يعودوا أفارقة وكولومبيين فقط، بل أصبح هناك سوريون أيضاً! لم تعد الكفرة مجرد مدينة حدودية، بل تحولت — وفق تحقيقات دولية — إلى مركز إمداد رئيسي لقوات الدعم السريع، بل هي — بحسب رويترز — «العقدة التي أعادت تشكيل الحرب»، حيث رُصدت عشرات الرحلات الجوية ومواقع تجمع ومعسكرات في محيطها، تُستخدم لتجميع المقاتلين وإعادة تسليحهم قبل دفعهم إلى دارفور. الحديث هنا ليس عن معسكر واحد، بل عن منطقة عمليات كاملة تعمل كجسر لوجستي بين الخارج وعمق السودان. بلغت تقديرات المرتزقة هناك أكثر من سبعة آلاف في معسكر واحد، وعشرة آلاف في آخر، وتتدفق عليهم الأسلحة براً وبحراً وجواً. 6 وفي العوينات، لا نتحدث عن منطقة حدودية عادية، بل عن شريان حرب مفتوح. هذه البقعة التي تلتقي فيها حدود السودان وليبيا ومصر تحولت — بحسب تقارير دولية — إلى ممر رئيسي لتهريب السلاح والوقود والمرتزقة، ونقطة تمركز لقوات الدعم السريع، بل وساحة تداخل لقوى إقليمية. السيطرة على العوينات لم تكن حدثاً عابراً، بل خطوة لفتح جبهة جديدة في عمق الصحراء، حيث لا تسيطر أي دولة سيطرة كاملة، وحيث تتحرك شبكات الإمداد بحرية نسبية. وقريباً منها يجري حشد المقاتلين، مستهدفين منطقة الدبة من أكثر من اتجاه. 7 ما وثقناه من حصار محكم على حدودنا، من الشرق حيث معسكرات المرتزقة الممولة، إلى الغرب حيث شبكات الإمداد التي تعيد هندسة الحرب عبر ليبيا وتشاد، ليس مجرد صراع حدودي؛ إنه تهديد وجودي موثق ومُموّل إقليمياً ودولياً. إن تقارير «رويترز» و«لوموند» ليست للتداول الصحفي فحسب، بل هي شهادة على أن البلاد قد أُلقيت بالفعل في أتون حرب بالوكالة، تخوضها الآن في أربع جهات. 8 في خضم هذا الحصار الخارجي الشرس، تكمن المأساة الأعظم في «الانصراف المزدوج» الذي تحدثنا عنه: انصراف الشعب عن معركته المصيرية، وتخلي الجيش عن سنده الأعظم وهو الشعب. 9 المطلوب الآن ليس مجرد استنهاض للهمم، بل دعوة لعودة قادة الجيش إلى مسارح العمليات وعودة الشعب إلى ساحات الاستنفار ليسانده. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تصدّ الاستسلام المُسبق. كيف ولماذا؟