رأي

الكتلة الديمقراطية: من وعد التأسيس إلى اختبار التوحيد

آصداء الوعي.
ادم ابكر عيسي

في خضم ملحمة الكرامة التي يسطرها بواسل قواتنا المسلحة والمشتركة، والمقاومة الشعبية، وكل القوى السندة للوطن، في معركة دحر المليشيات وتفكيك المؤامرات التي تحاك ضدنا إقليمياً ودولياً، يبرز إلى جانب المعركة المصيرية وجه آخر لا يقل أهمية: إنه وجه البناء السياسي، وضرورة سد الفراغ الذي يهدد أن يبتلع أحلامنا إن نحن أهملناه.

نحن اليوم بحاجة ماسة إلى أن نتحرك في المحافل كافة بثوب وطني نقي، يثبت للعالم أن الداخل السوداني قد استوى على سوقه، متحداً قوياً، يقدم رؤية سياسية واضحة ومنطقاً لا يقبل الجدل: إن الطريق إلى السلام الحقيقي يمر حتماً عبر دحر التمرد، فالوطن غير قابل للتجزئة، وإرادة الشعب الملتف حول جيشه لا يمكن أن تُقهر بسلام هش أو بسياسة الأمر الواقع.

من هنا، تقع المسؤولية جسيمة على عاتق “الكتلة الديمقراطية”. تلك الكتلة التي حملت وعد التأسيس، لكنها تواجه اليوم اختباراً حقيقياً لتتجاوز هشاشة التنظيم إن أرادت البقاء والفاعلية. لقد آن الأوان أن تبدأ الكتلة بتوحيد أطرافها الداخلية أولاً، عبر بناء مؤسسات قوية تتنفس عطر العقلانية والرشاد، بعيداً عن حرب البيانات الرنانة أو الانشغال بقضايا ثانوية تبعث رسائل سلبية للداخل والخارج. وهنا يصدق قول الفيلسوف هيغل: “إن وحدة الكيان لا تتحقق بإلغاء الاختلافات، بل بتجاوزها نحو مصلحة عليا مشتركة”. وتلك المصلحة هي الوطن الذي لا يقوم بغير مؤسسات راسخة.

ثم إنه لا مناص من الانفتاح على كل القوى السياسية والتحالفات التي وقفت إلى جانب الدولة في معركة الكرامة. فهم شركاء في الدم والمصير، وواجب المرحلة يقتضي وحدة الصف، حتى لو أدى ذلك إلى تغيير اسم التحالف نفسه، ليصبح قبلة للجميع: تحالف المستقبل، الحراك الوطني، المؤتمر الشعبي، التيارات الشبابية، الحركة الشعبية شمال، حزب الأمة القومي، وغيرهم ممن انضموا للصف الوطني.

فلتكن هذه الجبهة الموسعة مرآة صادقة تعكس تنوع السودان وتعدد ألوانه الفسيفسائية، لتعمل على توحيد النظام السياسي وتكون الحاضنة الكبرى للسلطة، تتحمل المسؤولية كاملة في إعادة الإعمار، وتخلق حراكاً إقليمياً يضاهي ثقلها السياسي المتنامي.

بإمكان هذه الجبهة أن تضع برنامجاً شاملاً لتكوين البرلمان وفق الوثيقة الدستورية، ليس بهدف السيطرة عليه، بل لتقديم رؤية وطنية خالصة تمهد لما بعد الحرب وتضع أسس السلام المتين. وكم هو عميق قول الفيلسوف شوبنهاور: “الإرادة وحدها لا تصنع النجاح، بل لا بد من تنظيمها وتوجيهها”. فالإرادة موجودة، ولكن التنظيم يحتاج إلى من يوجهه بحكمة.

نحن في معركة تحتاج إلى حكمة ومعالجات عميقة تخرجنا من دائرة الفشل السياسي التي طالما لازمت تاريخنا. وهذا الفشل ليس قدراً، بل هو نتاج الفردانية في القرار، وإهمال المؤسسات التي تمنح الشرعية والمرجعية. لقد حان الوقت لنتجاوز “تحالف الهواء” الذي تذروه الرياح، وسياسة “تكسير العظام”، والنظرة الدونية للآخر.

يقول مثلنا السوداني البليغ: “العتبة لو اتكسرت، سقف البيت ما بيعمر”. فإذا كان الأساس التنظيمي هشاً، فكيف يعلو البناء السياسي؟ إننا اليوم أمام لحظة تاريخية لتصويب المسار، وبناء كتلة سياسية كبرى تتسع للجميع وتحتكم للمؤسسة، لتكون خير معين على تجاوز المحنة، وبناء وطن يسعنا جميعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى