تقارير

القطاع المصرفي في السودان.. تحديات الراهن ورؤى إعادة الهيكلة والتعافي

تقرير: رحاب عبدالله

يواجه القطاع المصرفي في السودان منعطفاً تاريخياً بالغ التعقيد في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، حيث تتشابك التحديات الهيكلية مع استمرار تدهور قيمة العملة المحلية، على الرغم من الحزم والتدابير المتلاحقة التي اتخذها البنك المركزي مؤخراً. وفي قراءة تحليلية للوضع الراهن، يبرز برنامج إعادة الهيكلة كخيار استراتيجي لا غنى عنه وفرس رهان حقيقي لانتشال المنظومة المصرفية من أزمتها الراهنة واستعادة دورها التنموي والوسيط المالي.تشخيص الأزمة المصرفية وغياب الرؤية الكلية.

ويصف أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة الخرطوم، بروفيسور إبراهيم أحمد أونور، الوضع المصرفي الحالي بأنه في غاية السوء، مرجعاً ذلك إلى عوامل بنيوية ومؤسسية عميقة. ويؤكد بروفيسور أونور أن استمرار تدهور العملة الوطنية يعزى أساساً إلى غياب الرؤية الواضحة والشاملة لسياسة نقدية ومالية منسجمة في إطار خطة اقتصادية قومية متكاملة. وما لم يتم الشروع الفوري في معالجة هذا الخلل الاستراتيجي الجذري، فإن مسار التدهور النقدي سيستمر دون حراك إيجابي ملموس.”غياب الرؤية الواضحة والشاملة لسياسة نقدية ومالية في إطار خطة قومية هو أهم سبب لتدهور العملة الوطنية، وما لم يعالج هذا الخلل سوف يستمر التدهور كما هو عليه الان.”
*الهيكلة المؤسسية وتقليص عدد المصارف*
من منظور هيكلي ومؤسسي، يقدم نائب محافظ بنك السودان المركزي السابق، د. بدر الدين قرشي، قراءة نقدية تعزو جانباً كبيراً من أزمة القطاع إلى التضخم العددي في عدد المصارف مقارنة بحجم الاقتصاد وقدرات السوق. ويوضح د. قرشي أن القطاع لا يتحمل هذا الكم الكبير من المصارف في ظل ضعف رأس المال المدفوع، وغياب الدور الفاعل لمجالس الإدارات، وهيمنة بعض الأسر على ملكية المصارف، فضلاً عن تراجع أداء الإدارات التنفيذية وغياب التجديد الإداري والمؤسسي.الهيكلة المؤسسية وتقليص عدد المصارفمقترحات الإصلاح وهيكلة المؤسسات المصرفية ولمعالجة هذه الاختلالات البنيوية، طرح د. بدر الدين قرشي حزمة من التوصيات الاستراتيجية التي تتمثل أبرزها في الآتي:تقليص ودمج المصارف: إعادة هيكلة القطاع عبر تقليص عدد المصارف إلى ثلاث مجموعات رئيسية، من خلال دمج المصارف الحكومية في ثلاثة بنوك تنمية متخصصة، مع الحفاظ على المصارف الخاصة المؤهلة وكفؤة الأداء.سياسات الدمج والاستحواذ: تطبيق آليات الدمج أو الاستحواذ الإجباري أو الطوعي على المصارف التي تعجز عن الوفاء بمتطلبات كفاية رأس المال المدفوع.انسحاب البنك المركزي من الملكية: التشديد على ضرورة خروج بنك السودان المركزي تماماً من تملك الأسهم في المؤسسات المصرفية لضمان استقلالية الرقابة والحياد التنظيمي.تشديد معايير المصارف الأجنبية: رفع الحد الأدنى لرأس مال المصارف الأجنبية بما يتماشى مع أفضل الممارسات الإقليمية والدولية، ووضع قيود تنظيمية صارمة على جذب الودائع الجارية أسوة بما كان معمولاً به في السابق.
*مسار التعافي وتوفيق الأوضاع*
في سياق متصل، كشف د. بدر الدين قرشي عن أن بنك السودان المركزي يخطو بخطى ثابتة وحثيثة نحو معالجة وتوفيق أوضاع المصارف الضعيفة. ويتم ذلك من خلال تطبيق برنامج التعافي الهادف إلى تمكين تلك المصارف من بلوغ الحد الأدنى لرأس المال المدفوع، إما عبر إصدار أسهم جديدة عقب إعادة تقييم منصفة للأصول وتحديد قيمتها العادلة بدقة، أو من خلال التخلص من الأصول الثابتة لتعزيز المراكز المالية ودعم صلابة الجهاز المصرفي في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى