الفول السوداني… كيف التهمت الحرب والجبايات واحدة من أهم صادرات البلاد !!
Mazin
مهند عوض محمود
لم يكن الفول السوداني مجرد محصول زراعي في السودان؛ بل كان لعقود طويلة واحداً من أعمدة الاقتصاد الحقيقي، وسلعة ترتبط بها حياة ملايين المواطنين في كردفان ودارفور والجزيرة والنيل الأبيض وأم درمان ، كما شكّل مصدراً مهماً للعملة الصعبة وساهم في تشغيل قطاعات كاملة تبدأ من الزراعة والنقل وتنتهي بالزيوت والأعلاف والصادرات.
ولسنوات طويلة ظل السودان ضمن أكبر منتجي الفول السوداني في أفريقيا، بإنتاج يتراوح بين 1.5 إلى مليوني طن في المواسم الجيدة، بينما كانت الصين تمثل واحدة من أهم الوجهات العالمية لهذا المنتج.
حتى موسمي 2022 و2023، ظل السودان يحتفظ بحضور قوي داخل السوق الصيني، خاصة في الفول المقشور، مستفيداً من الجودة العالية وارتفاع الطلب الصيني. وفي عام 2024 استوردت الصين نحو 660 ألف طن من الفول المقشور، كان السودان لا يزال في الصدارة بحوالي 347 ألف طن، تلته السنغال بنحو 306 آلاف طن، أي أن البلدين وحدهما استحوذا على نحو 98.9% من واردات الصين من هذه السلعة. لكن خلف هذه الأرقام كانت هناك تحولات خطيرة تجري على الأرض، لم ينتبه لها أحد داخل السودان.
الحرب لم تضرب الإنتاج فقط؛ بل أعادت رسم الجغرافيا التجارية بالكامل. ومع اضطراب الطرق المؤدية إلى أم درمان، تحولت كميات ضخمة من الفول القادم من غرب السودان نحو مدينة الدبة في الولاية الشمالية، التي أصبحت مركزاً بديلاً للتجارة والصادر. وفي موسم 2024 بدأ التصدير فعلياً من الدبة إلى الصين، حتى في ظل غياب الفرازات الحديثة آنذاك، حيث كان الفول يُصدر مقشوراً دون عمليات تفريز متكاملة. وهذه الحقيقة وحدها تكشف حجم حاجة السوق الصيني للفول السوداني ؛ فالصين كانت مستعدة لاستقبال المنتج حتى في صورته شبه الخام فقط لضمان استمرار الإمداد.
لكن ما حدث لاحقاً كان نقطة التحول الأخطر. ففي سبتمبر 2024، وبعد الضربات التي تلقّتها قوات المليشيا الإرهابية في منطقة جبل موية بولاية سنار، خرج قائدها المتمرد “حميدتي” في خطاب مسجل واتهم الجيش المصري بالمشاركة في قصف قواته بالطيران، ووجّه قواته بمنع الشاحنات المتجهة شمالاً. وبالفعل توقفت حركة الشاحنات لفترة، وانقطعت إمدادات الفول نحو الدبة، ما أدى إلى اضطراب كبير في الأسواق وسلاسل الإمداد.
لكن الأزمة الحقيقية لم تكن في قرار المنع نفسه، بل فيما تلاه. ففي موسم 2025، وبحكم الطبيعة المفككة للمليشيا وغياب أي انضباط مؤسسي داخلها، تحولت نقاط الارتكاز إلى مراكز جباية مفتوحة. القادة الميدانيون والجنود استغلوا قرار منع الشاحنات وفرضوا رسوماً وإتاوات باهظة على كل شاحنة تمر عبر مناطق سيطرتهم. ومع أن الجيش السوداني نجح لاحقاً في تحرير عدة مناطق وفتح الطريق أمام تدفق الفول نحو النيل الأبيض وربك وكوستي، وبدأت الأسواق هناك تستعيد شيئاً من الحركة، إلا أن تكلفة السلعة كانت قد خرجت تماماً عن السيطرة.
الأزمة أصبحت أكثر وضوحاً في مناطق الإنتاج نفسها. ففي أجزاء واسعة من غرب كردفان، باتت الشاحنات عاجزة عن الوصول إلى بعض مناطق الإنتاج، وأصبح نقل الفول يتم أحياناً بالدواب و”الكارو” إلى أسواق مدينة الأبيض، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب البنية التجارية والنقل في البلاد. وفي الوقت الذي لا يتجاوز فيه سعر طن الفول في مناطق مثل النهود حدود مليون جنيه، يقفز السعر في ربك إلى أكثر من خمسة ملايين جنيه، ثم يرتفع في أم درمان إلى نحو 5.3 مليون جنيه للطن.
هذا يعني أن نحو أربعة ملايين جنيه تُضاف على الطن الواحد فقط بين مناطق الإنتاج وأسواق النيل الأبيض، ليس بسبب القيمة الحقيقية للسلعة، بل بسبب تكاليف النقل والجبايات والإتاوات ورسوم العبور المفروضة على الطرق. جزء كبير منها تفرضه المليشيا في مناطق سيطرتها، بينما تفرض جهات حكومية متعددة رسوماً أخرى في مناطق سيطرة الجيش، لتتحول الطرق إلى سلسلة طويلة من نقاط التحصيل.
وعندما تُضاف تكاليف التعبئة والنقل إلى بورتسودان ورسوم الجودة والتخليص والزكاة والضرائب والرسوم المحلية، ترتفع تكلفة الطن الواصل إلى بورتسودان إلى حدود 1380 دولاراً. بينما لا يتجاوز سعر الطن الواصل إلى الصين نحو 1300 دولار فقط. وهذه الأرقام تعني ببساطة أن السودان خرج فعلياً للسنة الثانية على التوالي من المنافسة في سوق صادر الفول السوداني. فالمنتج السوداني لم يعد يخسر بسبب ضعف الجودة أو تراجع الطلب العالمي؛ بل لأنه أصبح أعلى تكلفة من السوق نفسه.
وفي الوقت الذي يتراجع فيه السودان، كانت دول أخرى تتحرك بسرعة لاحتلال المساحة التي تركها. السنغال تحولت خلال عامين فقط إلى لاعب رئيسي داخل السوق الصيني، ورفعت صادراتها بصورة ضخمة حتى قاربت السودان نفسه. وتشير البيانات إلى أن صادرات السنغال إلى الصين تجاوزت 300 ألف طن خلال 2024، مع استمرار النمو خلال موسم 2025. وفي المقابل بدأت الصين أيضاً في تنويع مصادرها بصورة أوسع، فبرزت البرازيل والأرجنتين والهند كموردين رئيسيين خلال موسم 2025/2026، بينما تراجع السودان بصورة حادة. أما موزمبيق، ورغم حضورها في تجارة الفول الأفريقية، فلم تظهر كمنافس رئيسي داخل سوق الصين للفول المقشور خلال 2024، ما يعني أن السودان لم يخسر السوق لصالح قوة تاريخية راسخة؛ بل خسره بسبب فراغ تركه بنفسه.
المشكلة لا تقف عند حدود الصادر فقط. ارتفاع أسعار الفول انعكس مباشرة على معاصر الزيوت في أم درمان والدامر بولاية نهر النيل، فارتفعت أسعار زيت الفول إلى مستويات جعلته غير قادر على المنافسة في الأسواق الخارجية. ومع ارتفاع أسعار الفول ارتفعت تلقائياً أسعار أمباز الفول المستخدم في الأعلاف، ما أدى إلى زيادة تكلفة تغذية الماشية، ثم ارتفاع أسعار الحليب واللحوم، وحتى تكلفة صادر اللحوم نفسها. إنها سلسلة اقتصادية مترابطة تبدأ من شاحنة تُجبى على طريق ترابي في غرب السودان، وتنتهي بارتفاع أسعار الغذاء على المواطن وفقدان البلاد لأسواقها الخارجية.
والمشكلة الأعمق أن الحكومة تبدو وكأنها لا ترى ما يحدث فعلياً. لا توجد قراءة دقيقة لحركة الأسواق، ولا متابعة حقيقية للأرقام، ولا تقدير لحجم الانهيار الذي يصيب أهم السلع الزراعية في البلاد. كل ما يظهر على الأرض هو حرص متزايد على تحصيل الرسوم والجبايات والزكاة والضرائب من كل نقطة عبور، بينما تتآكل الصادرات وتختفي الأسواق الخارجية واحدة تلو الأخرى.
إن إنقاذ صادر الفول السوداني لا يحتاج إلى خطابات سياسية أو لجان جديدة؛ بل يحتاج إلى قرار اقتصادي عاجل وواضح. يجب إلغاء الرسوم المفروضة على طرق نقل الفول بالكامل، وإلغاء رسوم الجودة والتخليص والزكاة والضرائب والمحليات المرتبطة بالصادر، ولو بصورة مؤقتة، حتى يستعيد المنتج السوداني قدرته على المنافسة. لأن استمرار الوضع الحالي لا يعني فقط خسارة موسم زراعي؛ بل يعني خروج السودان تدريجياً من واحدة من أهم أسواقه التاريخية.
وإذا كان السمسم السوداني قد بدأ يفقد عرشه العالمي، فإن الفول السوداني يسير اليوم في الطريق نفسه، ولكن بسرعة أكبر، وسط صمت رسمي مقلق، وغياب كامل لأي رؤية اقتصادية تدرك أن الدول لا تخسر أسواقها بالقصف وحده… بل قد تخسرها أيضاً بالرسوم والجبايات وسوء الإدارة.