ثقافة وفنون

الفن التشكيلي السوداني في زمن الحرب.. مراسم مفقودة وألوان تقاوم الغياب

الاحداث:ماجدة حسن
من الخرطوم إلى المنافي.. تشكيليون يوثقون الفقد ويعيدون تشكيل علاقتهم بالوطن وسط النزوح وتدمير فضاءات الإبداع
لم تكتفِ الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 بتشريد التشكيليين وإبعادهم عن مراسمهم، بل امتدت آثارها إلى البنية التي احتضنت الحركة التشكيلية لسنوات، مهددة الأعمال الفنية والأرشيفات ومقتنيات المؤسسات الثقافية، ومغلقة مساحات العرض والتواصل أمام الفنانين. ومع اتساع رقعة النزوح، وجد التشكيليون أنفسهم أمام معركة مزدوجة: النجاة من الحرب، والحفاظ على قدرتهم على الإبداع وتوثيق ما يجري لبلادهم.
وتكشف إفادات منشورة لفنانين سودانيين عن مشهد تشكيلي أصابته خسائر واسعة، لكنه لم يتوقف تماماً؛ إذ انتقل جانب من نشاطه إلى فضاءات بديلة خارج السودان، خاصة في كينيا وأوغندا، بينما واجه الفنانون داخل البلاد تحديات تتصل بالأمان وتوافر الخامات وإمكانية مواصلة العمل الفني.
فقدان المراسم وتبدل التجربة
تحدث الفنان التشكيلي نصر الدين الدومة، في شهادة نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية في مايو 2024، عن اضطراره إلى مغادرة الخرطوم وترك أعماله خلفه، ومن بينها لوحة مائية لشخصية الشيخ فرح ود تكتوك، لم يعد يملك منها سوى الصور الفوتوغرافية.
ولا يمثل فقدان المرسم خسارة مكان للعمل فحسب، بل انقطاعاً عن فضاء تتراكم فيه التجارب وتُحفظ الأعمال وتتشكل المشاريع الجديدة. ومع الانتقال القسري إلى بلدان أخرى، بات استئناف النشاط الفني مرتبطاً بإيجاد بيئة آمنة ومواد وأدوات ومساحات مناسبة للإنتاج.
وفي العاصمة الأوغندية كمبالا، أتاحت إقامة فنية احتضنها مركز «32 درجة شرقاً» عام 2024 لأربعة فنانين سودانيين فرصة للعمل وتوفير الخامات، بمشاركة نصر الدين الدومة، وتنزيلة عبد الله آدم، وحمزة تيراب، والمصور محمد التاج. ومثلت التجربة نموذجاً للمبادرات التي تحاول مساعدة الفنانين النازحين على استعادة نشاطهم، رغم اختلاف ظروفهم وتحديات الاستقرار في بلدان اللجوء.
نيروبي.. اتساع المنفى الفني
تحولت العاصمة الكينية نيروبي إلى إحدى محطات تجمع التشكيليين السودانيين الذين فرقتهم الحرب. وفي إفادة لإذاعة دبنقا في يناير 2026، قال الفنان التشكيلي ياسر علي إن عدد الفنانين السودانيين المقيمين في نيروبي ارتفع من نحو ستة قبل الحرب إلى أكثر من أربعين بعدها، في مؤشر إلى حجم التحولات التي طالت الوسط التشكيلي.
وتحدث ياسر عن مشاركته في معرض «أيام الحرب»، الذي يجمع أعمالاً لفنانين داخل السودان وخارجه عبر الإنترنت، ويعرض مئة لوحة عن الحرب شهرياً، في محاولة لإبقاء التجربة السودانية حاضرة أمام الجمهور، ونقل آثار الصراع من خلال الصورة والتشكيل.
وتكشف هذه المبادرات عن تحول في وظيفة الفن التشكيلي خلال الحرب؛ فلم يعد مقتصراً على التعبير الجمالي، بل أصبح وسيلة لتوثيق المأساة الإنسانية، وحفظ الذاكرة، وربط الفنانين الذين فرقتهم الجغرافيا، فضلاً عن توظيف الفن في دعم المبادرات المجتمعية ومساندة المتضررين.
اللوحة بوصفها ذاكرة
وفي قراءة لأوضاع الفنانين السودانيين في المنفى، تناول القيّم الفني رحيم شداد، في مقال نشرته مجلة «نو نين» في يونيو 2025، أثر النزوح في التشكيليين الذين انتقلوا من الخرطوم إلى نيروبي، وما رافقه من خسائر طالت الأعمال والأرشيفات والمراسم، إلى جانب محاولات بناء شبكات جديدة تتيح مواصلة الإنتاج الفني.
ومع ذلك، لا تلغي المعارض والإقامات الفنية التحديات التي تواجه التشكيليين، وفي مقدمتها تكاليف الإنتاج، وصعوبة الاستقرار المعيشي، ومحدودية فرص العرض والوصول إلى سوق الفن. كما تظل مصائر الأعمال التي تُركت في المراسم، وحماية المجموعات الفنية، وتوثيق الخسائر، أسئلة مفتوحة تتطلب جهوداً مؤسسية تتجاوز المبادرات الفردية.
وبين فنان يواصل الرسم في المنفى، وآخر يحاول الإنتاج بإمكانات محدودة داخل السودان، تتشكل ملامح مشهد جديد تتداخل فيه الذاكرة والفقد والمقاومة. لكن استمرار الإبداع لا يعني أن الحركة التشكيلية تجاوزت أزمتها؛ فالمعارض الخارجية والمبادرات الفردية لا تعوض وحدها غياب البنية المؤسسية المستقرة.
وتبقى استعادة البيئة الفنية داخل السودان، وحماية الإرث التشكيلي، وإعادة تأهيل فضاءات العرض والإنتاج، من أبرز التحديات التي ستواجه مرحلة ما بعد الحرب، حتى لا تتحول خسارة المراسم والأعمال إلى انقطاع في ذاكرة الفن السوداني وتاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى