الفاتح عروة متعدد الأطراف

صديق محمد عبد الله

السفير  بوزارة الخارجية السودانية

يحار المرء عن ماهية الافكار التي كانت تدور في ذهن الفاتح عروة وهو يحزم حقائبه متجهاً إلى نيويورك تدشيناً لمهامه كمندوب دائم للسودان لدى الأمم المتحدة.

لم تك تلك زيارته الأولى للولايات المتحدة، وماكانت بالقطع تجربته الدبلوماسية الأولى، فقد خبر العمل قبلها في موسكو وأديس أبابا، فما الجديد إذن؟

حتى لحظة حلوله مطار جون. إف. كينيدي، كان ذهن الفاتح، المحتشد دوماً بالمعلومات والأرقام وقوائم المصادر، يخلو من سابق معرفة لما يعرف ب “الدبلوماسية متعددة الأطراف” Multi- Lateral Diplomacy، وهو ضرب من فنون المهنة الدبلوماسية تعتبر نيويورك كعبته وسدرة منتهاه. هل إستهول الرجل المغامرة؟ وهل شابت أفكاره ظنون عن الخطوة المهنية التي كان مقدماً عليها.. وهل -وهذا هو الأهم- كانت نيويورك خياره الأول؟ أم إنه أضطر إليها تحايلاً بعدما تبينت صعوبة تحقيق رغبته الأصيلة بالذهاب سفيراً في واشنطن دي سي، حيث وضع بعضهم العصى في دولاب ترشيحه سفيراً لدى الولايات المتحدة الأميركية، ما أرغمه على الركون إلى “خيار تكتيكي” آخر بالإلتفاف على القرار الأميركي، فقدم ترشيحه مندوباً لدى الأمم المتحدة وهو أمر لا يحتاج إلى موافقة الجهة المضيفة، خلافاً لشأن السفراء المرشحين للإعتماد في “المحطات الثنائية”، حيث تعد  موافقة الدولة المضيفة شرطاً لازماً لإعتماد السفير المرشح ومزاولة عمله.

العجيب أن العراقيل التي واجهت الفاتح لم تقتصر على تلك الآتية من الخارج، بل ترافقت معها أخرى منبعها داخلي من نفر حسدوه لسبب أو آخر، غير أن ثقة الرجل في نفسه جنبته فخاخ هؤلاء وأولئك، ثم إن قوة صلاته بالرؤوس أغنته عن التزلف للأذيال.

مهما يكن من أمر، خطا الفاتح خطواته الأولى خارج مطار جون- إف- كينيدي، بعد ظهر يوم صيفي عام 1996، قاصداً مقر سكن المندوب الدائم الذي يقع بين شارعى بارك أفينيو وليكسينقتون، ثم توجه في -يومه التالي- إلى مقر بعثة السودان في شارع 42 بالقرب من مبنى الأمم المتحدة المهيب على ضفاف النهر الشرقي The East River في جزيرة مانهاتن. حينها دشن الرجل -عمليا- مرحلة جديدة في حياته المهنية قدر لها أن تستمر حوالي العشر سنوات، إجتهد خلالها  ما وسعه أن يوظف ما راكمه من خبرات سابقة ومتنوعة، شملت المجالات الأمنية والعسكرية وتقانة المعلومات وفنون الإدارة، لخدمة بلاده في موقع لا تخفى تحدياته.

كثيرة هي الفضائل التي يمكن أن تنسب للفاتح عروة، ولكن أود الوقوف أمام خصلتين أرى أنهما شكلتا عماد نجاحه في نيويورك، وهما القابلية للتعلم والشخصية القيادية. والواضح أن معارف الفاتح الهائلة التي سبقت الإشارة إليها والموقع القيادي الذي كان يشغله  قبل وصوله إلى نيويورك في 1996 لم تحل دونه والجلوس على مقعد التلميذ في مدرسة الدبلوماسية متعددة الأطراف، فطفق ينهل كل ما هو متاح من معارف من أقرانه المندوبين الدائمين للدول الأخرى (نجوم سوامق كان أقربهم إليه مندوب اليمن عبد الله الأشطل ومندوب جنوب أفريقيا كومالو ومندوبى مصر د. نبيل العربي وأحمد أبو الغيط ومندوب إيطاليا السفير المهيب فولشي والمندوب الروسي الاكثر خبرة بدهاليز الأمم المتحدة سيرجي لافروف، وغيرهم كثر)، وكذا مرؤوسيه من الدبلوماسيين المهنيين في البعثة ممن توفروا على خبرات فنية في لجان الأمم المتحدة التي كانوا يتابعون أعمالها . لم يمض وقت طويل حتى حذق صاحبنا مهنته الجديدة وشذّب أدوات عمله وشحذها، ثم أضفى عليها – تدريجياً-  شيئاً من كسبه السابق في المجالات الأخرى، فأثمر ذلك خليطاً مدهشاً من الأداء المهني الرفيع المضبوط بقواعد العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف الصارمة، يشوبه أحياناً خروج محمود عن النص في مواضع تتطلب التفكير خارج الصندوق وتطبيق المناورات العسكرية والحنكة الأمنية، وهي فنون لا ينتطح عنزان أن الفاتح يحوز فيها على قصب السبق.

لم يمض وقت طويل حتى أدرك القوم في نيويورك أن القادم الجديد “مختلف جداً”،  وأقر خصومه -قبل الأصدقاء- أن ملكاته تستحق الاحترام والإحتفاء، ومن شواهد ذلك ماكان يصفه به ريتشارد هولبروك، المندوب الدائم ذائع الصيت للولايات المتحدة حينها، الذي وصف الفاتح عروة ب “صديقي اللدود”، في إقرار ضمني بقدراته رغم الخلاف المعلوم والتقاطعات المشهودة في مسار كل منهما.

أضطر هولبروك إلى إخراج كل ترسانته من الأسلحة الهجومية لإحتواء تحرك قاده الفاتح عروة لترشيح السودان لعضوية مجلس الأمن. كان الأمر يسير بسلاسة بعد أن ضمن السودان مباركة المجموعة الأفريقية التي إعتمد قادتها ترشيح السودان لعضوية المجلس، بحيث بات التصويت لصالحه في الجمعية العامة شبه مؤكد إستناداً للممارسة الراسخة التي تقضي بأن الجمعية العامة تعتمد تلقائياً أي ترشيح تتوافق عليه المجموعة الأفريقية، لكن كان لواشنطن رأي آخر، إذ قدرت أن السودان، الذي يشهد نزاعاً داخلياً مسلحاً في جزئه الجنوبي، لم يك مؤهلاً لنيل عضوية مجلس الأمن. وبالفعل صدرت التعليمات لهولبروك لمنع السودان من دخول النادي المتميز مهما كلف الأمر. هنا دخل الرجل في في صدام مباشر مع الفاتح عروة، وأقر في وقت لاحق من حياته أن تلك المعركة كانت إحدى أبرز عقبات مسيرة عمله مندوباً دائماً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. لم تكن معركة متكافئة بطبيعة الحال، إذ حشدت الولايات المتحدة أساطيلها الدبلوماسية وإستخدمت كل “الكروت” التي توفرت لديها سعياً لتحقيق مبتغاها، وكان مدهشاً – لدرجة الغثيان- أن تلجأ القوة العظمى لمقارعة السودان بتلك الوحشية وتتجاوز كل الأعراف الراسخة لتأتي بمرشح يزاحم السودان (جزيرة موريشوص) الذي سبق وأن أعتمد ترشيحه من القمة الأفريقية. في اللحظات الأخيرة قبل التصويت، تحدث الفاتح لرصفائه السفراء الأفارقة مذكراً إياهم بتوجيهات قادتهم الذين إعتمدوا ترشيح السودان في قمة مشهودة، وحاثاً إياهم عدم الإنكسار أمام الضغوط الأميركية. وتوالت جولات التصويت ووصل عددها إلى خمس جولات، حتى تضجرت الوفود وتململت من طول أمد المعركة الدبلوماسية بين السودان والولايات المتحدة الأميركية المتخفية وراء موريشص سعياً للحصول على أغلبية تلثي أعضاء الجمعية العامة، وهو الشرط المطلوب للفوز بمقعد العضو غير الدائم (لمدة سنتين) في مجلس الأمن. وأضطر ريشارد هولبروك -في مشهد درامي كأنه مستلف من إحدى مسرحيات صامويل بيكيت- إلى إستخدام أخطر كروته، فطفق  يطوف على السفراء الأفارقة في أماكن جلوسهم أثناء جولة التصويت -وهو أمر ممنوع وفق اللوائح وقواعد الإجراءات- مفاجئا إياهم بطلب غريب: سعادة السفير، خذ هذا الهاتف، رئيس دولتكم على الخط يود الحديث معكم! نعم، حدث هذا داخل قاعة الجمعية العامة. يطوف المندوب الاميركي حاملا جواله الخاص وآمرا من يفترض أنهم “رصفاؤه” بسماع الأوامر وهى تأتي طازجة من أفواه قادتهم!! تلك كانت قاصمة الظهر، وتغير شكل التصويت في الجولة الخامسة وفازت موريشص بالمقعد بفارق ضئيل، وخرج هولبروك بإنتصار كسيح على الفاتح، لم يمنعه من الإقرار لاحقا بمقدرات مندوب السودان الفذة التي أضطرته إلى “تغيير قواعد الإشتباك” لمقارعة خصمه القادم من دولة تعد من الأقل نمواً وفق تصنيف أدبيات الأمم المتحدة.

لم يخل جراب الفاتح من مفاجآت مبتكرة إدخرها لحوبات دبلوماسية أخرى، إذ ناور الغربيين الذين لم يرتاحوا لرؤية السودان مرشحاً لنيل عضوية لجنة حقوق الإنسان (التي تغير مسماها لاحقاً إلى مجلس حقوق الإنسان).. فأظهر لهم الفاتح نيته سحب ترشيح السودان مقابل  ترشيح دولة صديقة، فهدأ القوم “ولانت شعرة جلدهم” وتراخت جهودهم الشرسة لحرمان السودان من نيل عضوية اللجنة المذكورة.. ثم باغتهم الفاتح – أثناء عقد جلسة التصويت وقبيل لحظات من إتمامه- بالإعلان عن سحب ترشيح تلك الدولة (التي أبرم معها إتفاقاً سريا يحسب لها إحترامها له)، مفصحا عن ترشيح السودان.  لم يكن الوقت كافياً لحشد المساندة ضد الترشيح المفاجئ، ومن ثم أجرى التصويت وفاز السودان بعضوية لجنة حقوق الإنسان وسط دهشة وغيظ ممثلي المجموعة الغربية الذين ألجمت ألسنتهم المفاجأة.

من أمتع ما شهدت، خلال فترة عملي مع السفير عروة، جلسات غير رسمية وتكاد تكون أخوية، بينه والسير كيران بريندرقاست (لا صلة تجمعه بالناشط الأميركي الذي كان يدير منظمة تعنى بالشأن الدارفوري) الذي كان يشغل الوظيفة الأخطر في فريق كوفي أنان: وكيل الأمين العام للشؤون السياسية. كان هذا الأسكوتلندي الماكر داهية من دهاة السياسة الدولية وخبيرا لا يشق له غبار، مطلعا من خلال موقعه الرفيع على أسرار لم تتح إلا للنخب المنتقاة. أدرك الرجل، صاحب الرؤية النافذة، أن الفاتح توفرت له معرفة نادرة بدقائق الأمور في منطقة القرن الأفريقي الملتهبة. لم يضع الرجل السانحة، وإبتدع سنة اللقاءات الحميدة الراتبة مع الفاتح، يتشاوران خلالها عن الأوضاع ويحيلان قراءتهما التحليلية إلى تنبؤات وتوصيات وقرارات. كل ذلك في جو ودي، غير رسمي، ودون تسجيل لمضابط الحديث (وهنا كان التحدي، إذ كان الفاتح يصطحبني معه لتلك اللقاءات طالبا مني أن أكون مستمعا جيدا حتى يتسنى لى لاحقا تسجيل كل مادار من الذاكرة!). تلك كانت مدرسة قائمة بذاتها، نهلت خلالها من فيوض علم السياسة ما عوضني بعض الذي فاتني على مقعد الدراسة.

لم تقف مواهب الفاتح عن حد المناورات الدبلوماسية وتحييد الخصوم وكسب المزيد من الأصدقاء، بل أظهر حذقاً بائناً في التعامل مع الإعلام الأميركي النافذ المتمرس. تبدى ذلك وهو يعالج التغطية الإعلامية الكثيفة للأوضاع في السودان عقب الهجوم على مصنع الشفاء للدواء في أغسطس 1998. حينها تسابقت CNN وصويحباتها على الظفر بتصريحات من المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، فأشترط عليهم جميعاً أن تجئ إفاداته عبر بث مباشر Live دون مونتاج أو إقتطاع للحديث من سياقه. وبالفعل نجح في توصيل رسالته وهو يحاور دهاقنة الإعلام العالمي، ولم يرضخ لضغوطهم وأسئلتهم المستفزة ، مركزاً – عوضاً عن ذلك- على إبلاغ المتلقي رسائل محددة كان قد درسها سلفاً ولم يصرف إنتباهه عنها حرص المحاورين على وضعه في المسار الذي يشتهون.

في خروج عن مألوف العمل الدبلوماسي الروتيني، خلق الفاتح عروة صلات مع رموز فنية وثقافية في الولايات المتحدة الأميركية التي إكتشفت أنها بصدد شخصية مختلفة تستحق الإهتمام .

أذكر هنا حفل العشاء المشهود الذي أقامه في دار السكن حيث منعتنا الدهشة من الإستمتاع بأطايب الطعام ونحن نجلس على ذات الطاولة صحبة نجوم وأساطير من شاكلة  الممثل ذائع الصيت روبرت دي نيرو ومخرج الروائع مارتين سكورسيزي ولفيف من المنتجين ودهاقنة الإخراج السينمائي والتصوير والموسيقيين. كان الحفل مميزاً وتاريخياً وإستمر لساعات طوال أتيح لنا خلالها التحدث مباشرة مع هؤلاء المشاهير الذين نجح الفاتح في جمعهم في داره المضيافة في بادرة غير مسبوقة .

لا يتسع المجال لحصر كل إنجازات الراحل الفاتح عروة أثناء فترة عمله كمندوب دائم للسودان لدى الأمم المتحدة ، فهذا مقام الكتب وليس المقالات، ولعل معركة رفع العقوبات التي كانت مفروضة من مجلس الأمن على السودان لوحدها تحتاج لفصل كامل لتوثيقها.. وكذا مبادرته لفتح دارسكنه |أمام جموع الجالية السودانية في منطقة نيويورك الكبرى، بحيث أحال العقار الجامد إلى بيت حقيقي للسودان تهفو إليه الأفئدة ويجد فيه الكل الراحة والأريحية وفق طقوس الضيافة والكرم السوداني العتيد.

رحم الله “الكومندان” كما كنا  نناديه، وأسال الله أن تغشى مرقده سحائب الرحمة.

Exit mobile version