رأي

الصحافة والمال الإماراتي وديكلان والش: الشيطان* *شاطر!

مصطفى عبدالعزيز البطل
………

اتهام سياسي أمريكي في مقام السناتور كريس ميرفي، علناً وعلى رؤوس الأشهاد، لمستشار الرئيس ترامب مسعد بولس بتلقي مبالغ مالية على سبيل الرشوة من دولة الإمارات العربية المتحدة، مقابل رعاية مصالحها وحمايتها في واشنطن، ليس أمراً عابراً يمكن المرور عليه مرور الكرام، فهو اتهام بالغ الخطورة، ويستحق أن يُقرأ في سياق أوسع يتعلق بتأثير المال والنفوذ الأجنبي في السياسة والإعلام الأمريكيين.

وفي التاريخ الحديث، بل الواقع المُعاش والماثل للولايات المتحدة، حالات متكررة ومثبتة لتورط شخصيات نافذة في مواقع شديدة الحساسية في تلقي أموال غير مشروعة أو بيع النفوذ، من البيت الأبيض والكونغرس إلى الأجهزة الأمنية والاستخبارية. أحدث الأمثلة ألدريتش آيمس رئيس قسم مكافحة التجسس بوكالة المخابرات المركزية (CIA)، الذي سلّم روسيا معلومات بالغة الحساسية مقابل ملايين الدولارات، ويقبع حالياً في سجن ستيلووتر. وروبرت هانسن المسؤول الرفيع في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، الذي نقل إلى موسكو أسراراً أمريكية شديدة الخطورة مقابل أموال، قبل أن يُحاكم ويموت في السجن قبل عامين.

لكن ما يعنينا هنا بصورة أكبر هو الجانب المتعلق بالسياسة والإعلام والصحافة، حيث لا تخلو السجلات الأمريكية من وقائع موثقة لتلقي الرشاوى أو الأموال الأجنبية مقابل خدمة مصالح أطراف أخرى.

ولعل أحدث الأمثلة البارزة قضية السيناتور بوب منينديز، عضو مجلس الشيوخ ورئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق، الذي أُدين بتلقي رشاوى من جهات أجنبية، شملت مبالغ مالية وسبائك ذهب، وحُكم عليه في يناير 2025 بالسجن 11 عاماً.

اكبر شخصية دستورية في الولايات المتحدة اتهمت رسمياً بالتورط في تلقي الرشاوي هي سبيرو أغنيو نائب رئيس الولايات المتحدة الذي اتهم في سبعينيات القرن الماضي في عدد من قضايا الرشوة، وهو اول نائب رئيس امريكي يستقيل من منصبه بسبب تورطه في قضايا جنائية.

أما في مجال الإعلام والصحافة، فالأمر ليس أقل إثارة للاهتمام، فقد شهدت السنوات الأخيرة قضايا اتُّهم فيها صحافيون وكتاب ومحللون بالعمل لمصلحة حكومات أجنبية أو بتلقي أموال مقابل إنتاج مواد تخدم أجنداتها. ومن الأمثلة التي أُثيرت مؤخراً قضية الصحافي توماس وير باوكن، الذي اتهمته السلطات الأمريكية بالعمل لخدمة أجندة الحكومة الصينية تحت إشراف جهاز أمن الدولة الصيني، وأُدين وحُكم عليه بالسجن في الأول من سبتمبر الجاري. وهناك كذلك قضية الكاتب والصحافي والمحلل السياسي كافيه أفراسياب، الذي اتُّهم بتلقي 265 ألف دولار مقابل نشر مواد تخدم مصالح إيران. كما كشفت «واشنطن بوست» عن تحقيقات يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن اتهامات لأحد محرري صحيفة The Grayzone بتلقي أموال من الحكومة الروسية .. والحبل على الجرار!

كل هذه الوقائع، بصرف النظر عن تفاصيل كل قضية ونتائجها القضائية، تفرض سؤالاً مشروعاً عند الحديث عن حدود العلاقة بين الصحافة والمال والنفوذ الأجنبي: إذا كان المال قادراً على اختراق دوائر السياسة وصناعة القرار في أعلى مستويات الدولة، فما الذي يجعل الصحافة والإعلام بمنأى عن محاولات التأثير؟ بل إن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً إذا تذكرنا أن وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة تملك من النفوذ والقدرة على تشكيل الرأي العام والتأثير في صانعي القرار ما قد يتجاوز، في بعض الملفات، نفوذ المؤسسات السياسية نفسها.

فما الذي يمنع دولة تملك هذا القدر الهائل من المال والنفوذ، مثل دولة الأمارات، من محاولة الوصول إلى الصحافيين، كما تحاول الوصول إلى السياسيين؟ هل خُلق السياسيون من طين والصحافيون من نور؟

هنا أصل إلى الحبيب ديكلان والش.

عرفت ديكلان والتقيته لأول مرة في لندن مطلع يناير 2018، وأعجبتني شخصيته. كان يومها مديراً لمكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في العاصمة البريطانية، وكان قبل ذلك مديراً لمكتبها في القاهرة. وفي لقائنا الثاني أهداني كتابه عن ثورة يناير المصرية (لم أقرأ الكتاب، للأسف، لأن الحبيب الدكتور صدقي كبلو استعاره مني قبل أن أقرأه، ثم تركته له لزهدي في مادته).

بعد فترة عاد ديكلان وطلب مني مساعدته في الحصول على تأشيرة دخول إلى السودان. وكنت وقتها المستشار الإعلامي بسفارة السودان في لندن. ولم أجد بأساً في مساعدته، إذ كان رأيي أصلاً أن يُرفع الحظر عن عدد من الصحافيين الغربيين الذين كان جهاز الأمن والمخابرات قد منعهم من دخول السودان، وكان ديكلان واحداً منهم.

كنت قد ناقشت أوامر الحظر سلفاً مع الفريق صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والمخابرات آنذاك، والذي كان قد عاد إلى قيادة الجهاز بترشيح وتوصية من الراحل اللواء الفاتح عروة، غفر الله له هذا الذنب بالذات وسائر ذنوبه. وقد وافق قوش، مشكوراً، على نقل سلطة الموافقة على منح التأشيرات الى شخصي مؤقتاً لفترة ستة أشهر. وكان أن نال ديكلان التأشيرة وهبط مطار الخرطوم في اول اسبوع!

ثم عاد الرجل من السودان وكتب تحقيقاً مطولاً نشرته «نيويورك تايمز»، ذكر فيه أن قوات الدعم السريع تقوم بتجنيد الأطفال وتستخدمهم في مهام قتالية في اليمن، إلى جانب أشياء أخرى غضبت لها الأجهزة في الخرطوم غضباً شديداً. وكانت النتيجة أن نُزعت مني صلاحية التصديق على منح التأشيرات وسط شماتة الأحباب في إدارة غرب أوروبا بجهاز المخابرات.

لكن هناك ملاحظة مهمة للغاية تتصل بأداء «نيويورك تايمز» عموماً تجاه الحرب في السودان، فقد التزمت الصحيفة نهجاً مهنياً ومتوازناً في جانب كبير من تغطيتها للتطورات السياسية والعسكرية منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. بل كانت في طليعة الصحف الغربية التي كشفت ووثقت الدعم الإماراتي السري لقوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا، وكان للحبيب ديكلان والش القدح المعلى في ذلك.

ثم جرت المياه الإماراتية تحت الجسر. وفجأة، وبلا مقدمات واضحة، خرج ديكلان والش ليروج لرواية استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، وما زال يكررها ويعيد إنتاجها، في تناغم لافت مع الرواية التي ظلت الحكومة الأمريكية والإمارات تطرحها بحماس متزايد خلال الفترة الأخيرة. هذا على الرغم من غياب المنطق تماماً عن هذه الادعاءات ومفارقتها لكل قواعد المعقولية، الى درجة ان قوات الدعم السريع نفسها استحت واستنكفت عن انتحالها وتبنيها!

المشكلة ليست في أن يطرح صحافي اتهاماً خطيراً، فذلك جزء أصيل من العمل الصحافي. المشكلة في طبيعة الأدلة التي يستند إليها، وفي مدى صلابتها، وفي الطريقة التي تتطور بها الرواية من تقرير إلى آخر.

كان ديكلان والش أول من نشر الاتهام في «نيويورك تايمز» في يناير 2025، وزعم أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في مناطق نائية، من دون أن يقدم في تقريره أدلة مادية حاسمة تثبت ذلك، وإنما استند إلى تقييم سري للاتهام.

ومنذ ذلك الحين، ظل يراوح حول الرواية، يثير الأسئلة والشكوك، حتى جاء تقريره الأخير، المنشور في الخامس من سبتمبر 2026، بعنوان: «الملف السري لأدلة الأسلحة الكيميائية في السودان»، ليعيد طرح الرواية نفسها بمقبّلاتها وسلطاتها وباباغنوجها!

ديكلان والش، لمن لم يكن يعلم، متزوج من الصحافية السودانية المرموقة نسرين مالك. ونسرين صحافية وكاتبة متخصصة في الرأي والتحليل السياسي، تكتب في «الغارديان» البريطانية مقالات وأعمدة متميزة، لا سيما حول قضايا الشرق الأوسط، ولها، إلى جانب ذلك، اهتمامات ومساهمات لافتة ومدهشة في قضايا الهوية والعنصرية والإسلاموفوبيا. وهي ابنة ضابط عظيم من ضباط القوات المسلحة السودانية، اللواء محمد عثمان مالك، تغشت قبره شآبيب الرحمة.

ولعل السؤال يطرق على رأسك الآن، أعزك الله، بإلحاح شديد:ماذا تريد أن تقول؟ هل تتهم التحولات المفاجئة في موقف ديكلان والش وحماسته المتزايدة في طرح رواية الأسلحة الكيميائية بأنها نتيجة استقطاب أو تأثير من جانب حكومة الإمارات؟ بعبارة اخرى: هل تعتقد أن الرجل مرتشي؟!

أستغفر الله. وحاشا أن أتهم أبو النسب في دينه وخلقه.. وفي قول السوادنة: “النسيب عين شمس”! لكن ديكلان والش، في المقابل مطالب بتفسير مهني مقنع لهذا التحول الغريب والمريب في أدائه الصحافي: كيف انتقل من واحد من أبرز الصحافيين الغربيين الذين كشفوا تورط الإمارات في الملف السوداني، إلى رأس الرمح وأعلى الأصوات في خزعبلة الاسلحة الكيميائية التي افترعها مسعد بولس وتتبناها واشنطن وأبوظبي؟!

الصحافة لا تُبنى على حسن الظن وحده، كما لا تُحمى السمعة المهنية بالصمت عن الأسئلة المشروعة.، وهنا تحديداً تكمن المسألة.

ليس المطلوب من ديكلان والش أن يكون صديقاً للجيش السوداني، ولا أن يتبنى رواية الحكومة السودانية، ولا حتى أن يتخلى عن قناعته باستخدام الأسلحة الكيميائية. المطلوب فقط أن يظل الصحافي الذي عرفناه: الصحافي الذي يفتش عن الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة محرجة لحلفائه وخصومه على السواء.

أما إذا كانت الإمارات قد أصبحت، كما يقال، قادرة على الوصول إلى جيوب السياسيين ومستشاري الرئيس وأصحاب النفوذ في واشنطن، فليس من الحكمة أن نتصرف وكأن الصحافيين يعيشون في كوكب آخر.

والسؤال، في النهاية، ليس: هل ديكلان والش مرتشي؟ السؤال الأهم والأكثر إنصافاً هو: ما الذي غيّر ديكلان والش؟ ذلك أن الصحافي قد يغيّر موقفه، وهذا حقه، وقد يكتشف معلومات جديدة وهذا واجبه، وقد يخطئ في تقديره وهذا وارد! لكن عندما يكون التغيير حاداً وفي قضية شديدة الحساسية، ومتوافقاً بصورة لافتة مع رواية سياسية تتبناها أطراف ذات مصلحة مباشرة في الحرب، فإن السؤال عن أسباب هذا التغيير يصبح حقاً للناس.وعلى ديكلان والش أن يجيب!

أموال الإمارات ونفوذها قد تكون ابتلاءً من الله، ولكن الصحافة في النهاية امتحان آخر .. وأحبابنا في شمال الوادي يقولون: الشيطان شاطر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى