الصحافة التي نريد: أي إعلام يصنع الوعي في زمن الضجيج؟

بوشعيب حمراوي

لم يعد السؤال اليوم: هل نحتاج إلى الصحافة؟ بل أصبح السؤال الأعمق والأكثر إلحاحا: أي صحافة نريد؟ ذلك أن الكم الهائل من المحتوى، وتسارع الأخبار، وتعدد المنصات، لم يؤدِ بالضرورة إلى مزيد من الوعي، بل كثيرا ما قاد إلى ارتباك عام، وتضليل ناعم، وتطبيع مع السطحية، حتى باتت الحقيقة نفسها في حاجة إلى من يدافع عنها.

الصحافة التي نريد ليست ترفا فكريا، ولا حنينا رومانسيا إلى زمن مضى، بل هي شرط من شروط التوازن المجتمعي، وأداة أساسية في بناء الوعي الجماعي، وحاجز أخلاقي في وجه العبث بالمعلومة وبالعقول. نحن لا نطلب صحافة مثالية، فذلك وهم، ولكننا نطلب صحافة صادقة مع نفسها أولا، ومع جمهورها ثانيا، ومع المجتمع ثالثا.

نريد صحافة (صحيفة ورقية أو رقمية أو قناة أو إذاعة…) ينظر إلى محتواها باعتباره مرجعا موثوقا، ومصدرا رسميا للمعرفة والتحليل، لا يجادل في جديته، ولا يتعامل معه باعتباره مادة عابرة. نريد إعلاما يستشهد به، لا إعلاما يستهلك ثم ينسى. نريد منتجات إعلامية تتابع بتمعن، وتناقش، ويختلف حولها باحترام، لأنها تقدم معرفة لا انطباعات، وتحليلا لا انفعالا. الصحيفة التي نريد: من الاستهلاك العابر إلى المرجعية الدائمة

الصحيفة التي نريد هي تلك التي لا ترى في القارئ مجرد رقم في عداد الزيارات، ولا في الخبر سلعة سريعة الاستهلاك. نريد صحيفة تدرك أن الخبر بلا سياق قد يكون أخطر من الكذب، وأن العنوان المثير قد يحقق انتشارا لحظيا، لكنه يقتل الثقة على المديين المتوسط والبعيد. صحيفة تميز بين السرعة والاستعجال، وبين الجرأة والتهور، وبين النقد والتشهير.

نريد صحيفة لا تخضع كليا لإملاءات السوق، ولا ترتهن بالكامل لمنطق الإشهار، ولا تفصل خطها التحريري وفق هوية الممول أو رغبة الخوارزميات… صحيفة تعرف أن الاستقلال ليس شعارا يرفع، بل ممارسة يومية مكلفة، وأن المصداقية تبنى ببطء، لكنها تهدم بسرعة إذا اختزلت المهنة في الإثارة والاصطفاف الأعمى. نريد صحيفة ورقية لا ترمى في القمامة بعد الاطلاع على عناوينها، أو تصفح بعض صفحاتها على عجل. صحيفة تحترم مادتها إلى الحد الذي يدفع القارئ إلى تخصيص رفوف خاصة لها، تخزن فيها الأعداد، ويعاد الرجوع إليها كلما أثير نقاش جديد، أو طرح سؤال قديم، أو عادت قضية إلى الواجهة. هي صحيفة تتحول بمرور الوقت إلى أرشيف حي، وذاكرة جماعية، ومرجع يستأنس به لفهم تطور الأفكار والمواقف والتحولات.

وفي المقابل، نريد صحيفة رقمية لا ترهق القارئ ولا تصيبه بالملل، بل تدعوه إلى العودة إليها مرة بعد أخرى، لا بدافع الإدمان، بل بدافع القيمة. صحيفة رقمية تصمم بعقل، وتحرر بروح، وتحدث بوعي، فتجعل التصفح فعل اكتشاف لا فعل استهلاك. محتواها يقرأ اليوم، وتعاد قراءته غدا، لأن الأسئلة التي يطرحها لا تنتهي بانتهاء الخبر.

الصحفي الذي نريد: من ناقل الخبر إلى صانع المعنى

أما الصحفي الذي نريده، فهو ليس مجرد ناقل للمعلومة، ولا ناسخٍ لبلاغات جاهزة، ولا صانع محتوى يبحث عن التفاعل السريع. نريده صحفيا يفكر قبل أن يكتب، ويقرأ قبل أن يحكم، ويتحقق قبل أن ينشر. صحفيا يعي أن الكلمة موقف، وأن الصمت أحيانا موقف أخطر، وأن الخلط بين الرأي والخبر خيانة مزدوجة: للحقيقة وللقارئ.

الصحفي الذي نريده هو من يمتلك أدواته المعرفية، ويتسلح بالحد الأدنى من الثقافة العامة، ويفهم أن التخصص لا يلغي ضرورة الإحاطة بالسياق العام. هو صحفي يعرف أن الاستقلال لا يعني العداء الدائم، وأن القرب من قضايا الناس لا يعني السقوط في الشعبوية، وأن الجرأة لا تعني كسر كل الضوابط الأخلاقية. المتلقي الذي نريد: شريك في المسؤولية لا متلقٍ سلبي

وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن صحافة مسؤولة دون الحديث عن القارئ، والمستمع، والمشاهد الذي نريده، والذي هو وليد أسرة، ومدرسة، وجامعة، وشارع. فالجمهور ليس بريئا دائما، كما أن الصحافة ليست مذنبة دائما.

نحن بحاجة إلى جمهور واعٍ، لا يستهلك كل ما يقدم له دون مساءلة، ولا يشارك في نشر الزيف بدافع الانفعال أو التحيز أو الكراهية. جمهور يدرك أن النقر والمشاركة فعل مسؤول، وأن دعم الرداءة يساهم في استمرارها.

نريد قارئا لا يبحث فقط عما يؤكد قناعاته المسبقة، بل يفتح نفسه على الأسئلة المقلقة، والآراء المختلفة، والتحليلات العميقة، حتى وإن كانت مزعجة. نريد قارئا يفهم أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن النقد لا يعني التخوين، وأن الصحافة الجادة قد لا ترضي الجميع، لكنها تخدم المصلحة العامة.

حرية الصحافة التي نريد: حرية مسؤولة تحمي الحقيقة والمجتمع

أما حرية الصحافة التي نريد، فهي ليست شعارا فضفاضا يستعمل عند الحاجة، ولا سيفا مُصْلتا دون ضوابط. الحرية التي نريدها هي حرية مسؤولة، تحمي الصحفي من القمع، وتحمي المجتمع من الفوضى، وتحمي الحقيقة من التلاعب.

هي حرية تضمن حق السؤال، وحق النقد، وحق كشف الخلل، دون أن تتحول إلى غطاء للإساءة أو الابتزاز أو تصفية الحسابات. حرية تدرك أن المسؤولية لا تناقض الجرأة، بل تمنحها معناها، وأن الصحافة كلما كانت حرة وملتزمة، كانت أكثر قدرة على الإسهام في الإصلاح، بدل التحول إلى عامل إضافي من عوامل الاحتقان والتشويش. الأثر والبصمة الإعلامية التي نريد: صحافة تربك الساكن وتوقظ الوعي

أما الأثر الذي نريده من الصحافة، فهو أثر يتجاوز لحظة النشر. نريد صحافة تترك بصمة في النقاش العمومي، وتفتح أسئلة حقيقية، وتدفع نحو التفكير لا نحو الاستقطاب الأعمى. هذه الصحافة لا تكتفي بوصف الأعطاب، بل تسهم في تفكيكها، ولا تبيع الوهم، بل تواجه الواقع كما هو، بجرأة وعقلانية. نريد صحافة تربك الساكن، لا لتدميره بل لتحريكه، وتقلق الوعي، لا لإرهابه بل لإيقاظه. صحافة تعرف أن دورها ليس أن تكون بوقا، ولا قاضيا، ولا جلادا، بل ضميرا يقظا في مجتمع سريع النسيان.

في النهاية، الصحافة التي نريد ليست مشروعا معزولا، بل مسؤولية مشتركة: مسؤولية الصحفي في النزاهة، ومسؤولية المؤسسة في الاستقلال، ومسؤولية الجمهور في الوعي، ومسؤولية المجتمع في حماية الكلمة الحرة. فحين تضعف الصحافة، لا يمرض الإعلام وحده، بل يمرض النقاش العمومي، وتختل البوصلة، وتترك الحقيقة وحيدة في مواجهة الضجيج.

نريد إعلاما يقود الفضاء الرقمي ولا يقاد به

نريد إعلاما لا يلهث خلف مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يتغذى على تفاهتها، ولا يعيد تدوير محتواها الرديء في ثوب صحفي مزيف، ولا يسوق نفسه وسط عفنها، وعبر صفحات وقنوات مؤثريها من مفسدي الذوق واللسان وباقي الحواس الإنسانية.

نريد إعلاما يقود ولا يقاد، ينقي ولا يلوث، يربي الذوق العام، ويهذب النقاش، ويرفع منسوب الوعي بدل أن ينخفض به. إعلاما يمارس دورا تربويا غير مباشر، يعلم الناس كيف يختلفون دون سباب، وكيف يناقشون دون تخوين، وكيف يستهلكون المعلومة دون أن يتحولوا إلى أدوات في ماكينة التضليل.

لسنا في حاجة إلى إعلام يتغذى من الفوضى الرقمية ثم يسوقها من جديد داخل منصاته، بل إلى إعلام يمتلك الشجاعة ليقول: هنا نختلف، هنا نصحح، هنا نرتقي. إعلام يعيد الاعتبار للخبر، وللتحليل، وللتحقيق، وللرأي المسؤول، ويضع حدا لهذا التداخل الخطير بين الصحافة والإشاعة، وبين المعلومة و”التريند”.

ذلك هو الإعلام الذي نريده: إعلام يبنى ليبقى، ويكتب ليراجع، ويقرأ ليفهم لا لينسى. الإعلام المواطني الذي نريد: الترافع عن الهوية وصناعة القدوة والريادة

نريد إعلاما وصحافة مواطنة لا تكتفي بأداء وظائفها الكلاسيكية في نقل الأخبار، ولا تحصر دورها في التحسيس الظرفي، أو التوعية الموسمية، أو فضح الفساد والاستبداد عند اشتدادهما فقط. نريد إعلاما يتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الواعي والمبادر. إعلاما يرى نفسه جزءا من مشروع وطني متكامل، لا مجرد شاهد محايد على ما يجري.

الإعلام الذي نريده لا يقف عند حدود التشخيص، بل ينتقل إلى الترافع؛ ترافع عن هوية الوطن في زمن العولمة الجارفة، وعن وحدته الترابية في عالم لا يعترف إلا بمن يملك روايته ويدافع عنها بذكاء واستمرارية. هو إعلام يفهم أن المعركة اليوم ليست عسكرية أو دبلوماسية فقط، بل هي بالأساس معركة سرديات، وأن الصمت أو الحياد في قضايا الوجود والهوية ليس مهنية، بل تفريطا مقنعا.

نريد إعلاما يسهم في تسويق تاريخ الوطن، لا كحكاية ماضٍ جامد، بل كرصيد حضاري حي، قابل للفهم والاستلهام والبناء عليه. إعلاما يبرز أمجاد هذا الوطن دون تهويل، ويعترف بإخفاقاته دون جلد للذات، ويعيد الاعتبار لذاكرته الجماعية باعتبارها عنصر قوة لا عبئا. إعلاما ينقب في التراث، ويقدمه بلغة العصر، ويعرف به داخليا وخارجيا، لا بوصفه فولكلورا معروضا، بل باعتباره هوية متجددة.

كما نريد إعلاما يسلط الضوء على الكفاءات العلمية، والثقافية، والفنية، والرياضية، داخل الوطن وخارجه، لا بمنطق الاحتفاء العابر، بل بمنطق الإنصاف وبناء القدوة. إعلاما ينهي زمن التلميع الفارغ، ويقطع مع ثقافة النجومية السطحية، ويعيد الاعتبار للنماذج الجادة التي صنعت الفرق بصمت. إعلاما يقدم القدوة باعتبارها مسارا لا صورة، وقيمة لا “تريند”.

الإعلام المواطني الذي نريده هو إعلام يصنع القادة لا الأتباع، وينمي روح الريادة لا عقلية الاستهلاك، ويغذي الثقة في الذات الوطنية دون تعالٍ، ويحصن المجتمع ضد خطابات الإحباط والعدمية والاحتقار الذاتي. إعلام يدرك أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن كشف الفساد، وأن الدفاع عن الهوية لا يتناقض مع الانفتاح، بل يمنحه توازنا ومعنى. ذلك هو الإعلام الذي نريده: إعلام يرافع حين تجب المرافعة، ويعارض حين يجب الاعتراض، ويساند حين يكون الدعم واجبا، ويضع الوطن، بقيمه وتاريخه ومستقبله، في قلب رسالته لا في هامشها.

Exit mobile version