رأي

الشيخ الطيب الجد …خربناها أنا وعثمان

دكتور كرار التهامي ١٣-٤-٢٠٢٦

       العبارة قالها في تواضع مولانا القاضي والعارف بالله الخليفة  الشيخ الطيب الجد الشيخ العباس بدر  إذ يعترف راضيا  معتذرا بانه وعثمان اخرجوا الخلافة الصوفية من (الترجمان  )(والاعتكاف )(والحلول) و(الحضرة ) إلى الشارع ودغموها في  تفاصيل حياة الناس ،،،،،والقاضي الطيب يرى  في ذلك مساس عن قصد بأقانيم البهرج الصوفي والمنزلة الروحية و (بالخلوة  )التي تتجلى في الغياب بعيدا عن الطَرْق اليومي لحياة العامة والمريدين وشجون الناس  وشئونهم وهم يدقون   ابواب الحياة بمطارق الحاجة  ويعافرون أشراط العيش

▪️هكذا ظلت الحركات الصوفية منذ طلائع البعث الروحي بعد قيام الدولة السنارية على هذا الحال تؤسّس  معراجها في القلوب بحواجز القداسة المنصوبة بين الشيخ والحواريين   فالشيخ في (خلواته) إلا من فسحة قليلة يرفع يديه لينثر البركة على المُقْوين لحظة يعجز فيها المريدون عن التعبير عن حاجتهم وحبهم

▪️وماعدا هذا الحضور العرفاني  الشحيح ففي  غالب الاحوال الشيخ (مِسَدد) تحول بينه وبين القوم (الخلوة )،،خلوة الرحيل من عالم الاصحاب إلى عالم الاحباب  بجناحي التبتل والحضرات الرسولية إلى ما لايراه الناس

▪️لكن القاضي الحكيم المدرك لأصول الشرع الواصل إلى سدرة المعرفة اللدنية مولانا الطيب العباس (خرّب )كل ذلك كما فعل إبراهيم مع الأزلام فخرج شيخ الطيب من الوادي المقدس يتلمس الفلوات والصحارى بيد انه (تخريب) فحواه الإصلاح من حيث يحتسب الشيخ ولا يحتسب الرواة والتابعين إذ طفق الجد يشيل  مع الناس شيلتهم ليس في   المحراب ولكن في الدنيا وبين دفتي الكتاب فانسلّ من صمت ليالي الأذكار والأدكار  إلى خَبْت الحياة العامة، كمن يهبط من علوّ التأمل إلى سهل الناس، دون أن يفقد سكينته و كمن يخرج من صمت الخلوة الصوفية إلى هرج  الدروايش المولهين و  الاحباب والزائرين ، حيث السكون لا يغيب بل يتسع وينفتح باب الروح (ضلفتين )وتصبح البشارات اعلى صوتا في صمتها

▪️عاش مولانا الطيب الجد  في تضاريس الارض والتراب  حتى نبت فوقها كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في  السماء

و هكذا كانت رحلته  منذ سنوات الصبا البكيرة  وبالعلم والمعرفة والميراث  ظل قناةً لم تلن و لم يلمزها معيب  ولم يشينها شائن ركّب عليها بالعلم والدين سنان  حكمته وعلمه وأخلاقه العليا وجهده فاستطالت اكثر من تسعين عاما وهو بنفس الإشراق الروحي وبنفس السمت والإهاب وألق البراح الرباني الذي تمدد فيه كانه السحاب من القبلة إلى القبلة او قوس الأفق يتمدد في الرحلة الربانية من المشارق إلى المغارب

▪️الطيب الجد (شملة) العدالة التي اتسعت للظالم والمظلوم منشورة كسحابة بيضاء دون خرق ومنسبلة  كغطاء دفيئ  في زمهرير المناخات السياسية و ممتدة كظل ظليل في هجيرها    عابرةً   كل الحكومات والأحزاب  شرقا وغربا يسارا ويمينا وما انفك  الطيب في ثباته  يسدد ويقارب يساعد ويساند يقبض ويبسط فيدخل الناس بابه سجدا لله ويأتون اليه عرجا و مكاسير تقديرا للعارف بالله الذي شرب  من كاس التواضع وارتوى  من الحكمة الروحية فلم ينزو ولم يعتكف في المحراب يهمس للمريدين من وراء حجاب ليعتقدو  انه في الحضرة النورانية  يتلقى من الله كفاحا ،،،،لم يكن ذلك نهج الطيب الجد فهو لم  ينعزل او  (يسدد ) في خلواته ليشتري الوقت الروحي بالغموض لم يكن فاعلًا صوفيًا منعزلًا، بل أقنومًا روحيًا داخل المجال الاجتماعي، يعيد تشكيل الوعي من الداخل

 ▪️علت منزلته عندما  اخذ كل تلك الأقانيم  إلى الشارع وحرر الوصايا  القديمة من جهلها و شعوذتها و وساوس الشياطين مثل (مارتن لوثر ) الذي حرر  الكنيسة وهم القداسة ونزع عنها  إطمارها البالية ودفعها نحو الشارع ونشر ثقافة (الاحتجاج ) البروتستانتية هكذا فعل الجد في مدارس الصوفية لكن بأدب صوفي عرفاني وبحكمة القاضي فبدٌل إهابها بجوخ الفقراء وغير منهاجها لتنهض  من الأرض إلى السماء وليس العكس  و ما فتِئَ  يسرج خيول الرهق ويركب الصعب ليصل الناس في (مرابيعهم )لا يتأخر عن مواكب تشييع ولا مجلس عزاء ولا جودية تشفع للقاتل  عند اهل القتيل

▪️وفي السياسة أوقد نار الحق  والدفاع عن الدين والوطن وتدفأ  بها  حتى كسر إرادة المزايدين والغرباء و لم يثنه رهق العمر وعلة الجسد ان يواصل السير مع نهر حكمته السلسبيل إلى اليوم الأخير حتى ادرك نهاية الرحلة في  المرافيء الربانية ورحل إلى السماء

  ▪️تقبّل الله مولانا القاضي الخليفة الطيب الجد  قبولًا حَسَنًا، وجعل سيرته منارًا لا يخبو، ورأيةً لا ترتكس وفكرةً لا تنتكس و جعل جهده  أثرًا لا يزول، وأنزله الغُرفة مع السابقين  والشهداء والصديقين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى