الشمول المالي ما بعد استبدال العملة.. مكاسب الواقع وتحديات الاستمرار
Mazin
د. مروة فؤاد قباني
مع إعلان نهاية حملة استبدال العملة في منتصف شهر مايو الجاري، يبرز سؤال مهم في الأوساط الاقتصادية والمجتمعية: هل إنتهت بذلك الدعوات والمناشدات لفتح الحسابات المصرفية، أم أن ما حدث يمثل بداية فعلية لمرحلة جديدة عنوانها “الشمول المالي”؟
خلال فترة استبدال العملة، شهدت البنوك إقبالًا غير مسبوق من المواطنين لفتح الحسابات المصرفية، بعد أن أصبحت العملية مرتبطة بصورة مباشرة بإيداع الأموال داخل الجهاز المصرفي. هذا التحول دفع آلاف المواطنين، وربما الملايين، للتعامل لأول مرة مع البنوك والتطبيقات المصرفية وخدمات التحويل الإلكتروني، في خطوة نعتبرها فرصة نادرة لتوسيع المظلة المصرفية في البلاد.
ورغم إعلان قرب انتهاء الحملة في ولايات (الخرطوم ، الجزيرة والنيل الابيض)، إلا أن قضية فتح الحسابات المصرفية لا تبدو وكأنها انتهت. فالمؤسسات المالية تدرك أن الهدف لم يكن فقط استبدال أوراق نقدية بأخرى جديدة، بل إدخال أكبر شريحة ممكنة من المواطنين داخل النظام المالي الرسمي، وتقليل الاعتماد على تداول الأموال خارج البنوك.
وقد حققت الحملة بالفعل بعض النتائج المهمة، أبرزها ارتفاع عدد الحسابات المصرفية بنسبة كبيرة، مما ينعكس علي زيادة استخدام التطبيقات البنكية وخدمات الدفع الإلكتروني التي بلغت اكثر من 30% من نسبة السكان في السودان ، إلى جانب تقليل الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي. كما ساهمت في تعزيز قدرة الدولة على مراقبة حركة الأموال والحد من الاكتناز والسوق الموازي.
لكن، في المقابل، نري كمراقبين أن نجاح التجربة لا يمكن قياسه بعدد الحسابات التي تم فتحها فقط، وإنما بمدى استمرار استخدامها بعد انتهاء الحملة. فالكثير من المواطنين فتحوا حساباتهم بدافع الضرورة المؤقتة لاستبدال العملة، وليس نتيجة قناعة كاملة بأهمية التعامل المصرفي أو ثقة راسخة في النظام البنكي.
ويظل التحدي الأكبر أمام البنوك هو كيفية تحويل هذا الإقبال المؤقت إلى ثقافة دائمة. فضعف الخدمات في بعض المناطق، ومشكلات السيولة، والانقطاعات التقنية، إلى جانب محدودية الوعي المصرفي، كلها عوامل قد تؤثر على استمرارية التعامل مع البنوك.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال آخر نفسه بقوة: هل أصبحت ثقافة فتح الحسابات المصرفية رفاهية أم ضرورة؟
الإجابة اليوم تميل بوضوح نحو “الضرورة”. فالعالم يتجه بسرعة نحو الاقتصاد الرقمي، وأصبح الحساب المصرفي جزءًا أساسيًا من الحياة الاقتصادية اليومية، سواء لاستلام الرواتب، أو التحويلات، أو الدفع الإلكتروني، أو حتى الحصول على التمويل والخدمات المختلفة. كما أن الاعتماد الكامل على النقد الورقي لم يعد عمليًا في ظل التحديات الاقتصادية والتطور التقني.
غير أن تحقيق الشمول المالي الحقيقي لا يتوقف عند فتح الحسابات فحسب، بل يتطلب بناء ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات المصرفية، عبر تحسين الخدمات، وتسهيل الإجراءات، وتوسيع الانتشار البنكي، وخفض الرسوم، وتطوير البنية الرقمية.
في النهاية، يمكن القول إن حملة استبدال العملة ربما إنتهت إداريًا، لكنها فتحت بابًا واسعًا أمام تحول إقتصادي واجتماعي أكبر. ويبقى النجاح الحقيقي مرهونًا بقدرة الدولة والجهاز المصرفي على تحويل “الحاجة المؤقتة” إلى “ثقافة مالية مستدامة” تساهم في بناء اقتصاد أكثر تنظيمًا وشمولًا.