من بوابة الصين إلى هامشها… هل يعود السودان إلى شريكه الاستراتيجي؟

مهند عوض محمود

لفت انتباهي خلال الأيام الماضية خبر زيارة المدير العام للبنك الزراعي السوداني الأستاذ صلاح محمد عبد الرحيم إلى الصين.

قد يراه البعض خبراً مصرفياً عادياً، لكنه في تقديري يلامس واحداً من أهم الملفات الاستراتيجية التي أهملها السودان خلال السنوات الماضية: ملف العلاقة الاقتصادية مع الصين.

وتزداد أهمية هذه اللحظة مع عودة السفير عمر عيسى إلى بكين، وهو من أكثر الدبلوماسيين السودانيين إلماماً بالملف الصيني. غير أن نجاح أي سفير، مهما بلغت خبرته، لا يكفي وحده لإحياء علاقة استراتيجية بهذا الحجم، ما لم يكن وراءه قرار دولة ورؤية حكومة وخطة اقتصادية واضحة المعالم.

لفهم أهمية هذه العلاقة، لا بد من العودة إلى أوائل التسعينات؛ ففي الوقت الذي كانت فيه أبواب كثيرة تغلق أمام السودان بفعل العقوبات والحصار والعزلة السياسية، فتحت الصين أبوابها على مصراعيها. لم تأتِ بكين إلى السودان لتبيع بضائع أو تبحث عن سوق استهلاكي فحسب، بل جاءت وهي تنظر إلى السودان باعتباره شريكاً استراتيجياً وبوابة مهمة إلى أفريقيا.

وفي المقابل وجد السودان في الصين شريكاً مستعداً للاستثمار والعمل في ظروف كانت معظم الشركات الغربية ترفض حتى الاقتراب منها.

وجاء التحول الأكبر مع النفط.. فعندما دخلت شركة النفط الوطنية الصينية CNPC إلى السودان في منتصف التسعينات، لم تكن تستثمر في حقل نفطي فقط، بل كانت تؤسس لشراكة اقتصادية كاملة. ثم جاء عام 1999 ليشهد تصدير أول شحنة نفط سوداني، فدخل السودان واحدة من أهم مراحله الاقتصادية الحديثة؛ إذ تحوّل إلى دولة مصدرة للنفط، وتدفقت إلى الخزينة العامة والاقتصاد الوطني مليارات الدولارات، وامتدت الطرق والكباري وخطوط الأنابيب عبر البلاد، وتكوّنت لأول مرة قاعدة وطنية من المهندسين والفنيين والخبراء القادرين على إدارة صناعة نفطية متكاملة.

وأصبحت الصين أكبر شريك اقتصادي للسودان وأكبر مشترٍ للنفط السوداني وأحد أكبر المستثمرين في البلاد.

ووفقاً للبيانات الصينية الرسمية، وفر التعاون النفطي بين البلدين عشرات المليارات من الدولارات من الإيرادات الحكومية وحصائل النقد الأجنبي للسودان، إلى جانب تأسيس صناعة نفطية متكاملة شملت الاستكشاف والإنتاج والتكرير وخطوط الأنابيب والتدريب ونقل الخبرات.

لكن أهمية العلاقة لم تكن محصورة في النفط وحده..
فخلال تلك السنوات نشط المركز التجاري السوداني في بكين، وتوسعت العلاقات الاقتصادية، وازداد حجم التبادل التجاري، وتكونت شبكة واسعة من العلاقات الرسمية والتجارية أسهم في بنائها عدد من الدبلوماسيين السودانيين الذين فهموا الصين جيداً، وفي مقدمتهم السفير الدكتور علي يوسف الشريف والسفير – لاحقاً – عمر عيسى ومن عملوا معهم في السفارة والمركز التجاري السوداني.

ولسنوات طويلة ظل كثير من المسؤولين الصينيين يرددون أن السودان كان من أوائل وأنجح التجارب الصينية في أفريقيا، وأن النجاح الذي تحقق في السودان منح الصين الثقة للتوسع لاحقاً داخل القارة.

وبعبارة أخرى، دخلت الصين أفريقيا من أبواب كثيرة، لكنها دخلت عالم النفط الأفريقي الحديث عبر السودان.

ثم بدأ التراجع..
جاء انفصال جنوب السودان فانتقل الجزء الأكبر من الاحتياطي النفطي إلى الدولة الجديدة، وتبعت ذلك إعادة تموضع تدريجية للشركات الصينية نحو مناطق الإنتاج الجديدة.

لكن الضرر الأكبر جاء لاحقاً..
فقد دخل السودان في دوامة طويلة من الاضطراب السياسي، وجاءت حكومة (قحت) التي تعاملت مع العلاقات الخارجية كمنبر للصراع السياسي وكسب الرضا الدولي، لا كأداة لجذب الاستثمار وتعظيم مصالح السودان الاقتصادية. وبينما كانت الصين تبني مصانع وطرقاً وسككاً حديدية ومناطق صناعية في أفريقيا، كان قادة الحكومة الانتقالية منشغلين بالصراعات السياسية الداخلية، والتصفيات مع خصومهم، والتنافس على رضا المبعوثين والسفراء الغربيين، وكأن الاعتراف السياسي الخارجي يمكن أن يكون بديلاً عن الاستثمار والإنتاج والشراكات الاقتصادية الحقيقية.

لقد كانوا يطلقون على الدكتور حمدوك اسم “المؤسس”، وحتى اليوم يصعب على المراقب الاقتصادي أن يحدد ما الذي أُسس فعلياً على الأرض. فلم يظهر مشروع وطني للإنتاج، ولا استراتيجية صناعية، ولا نهضة زراعية، ولا شراكة اقتصادية كبرى يمكن الإشارة إليها باعتبارها إرثاً اقتصادياً لتلك المرحلة. أما الشراكات القائمة التي ورثتها الحكومة، وعلى رأسها العلاقة مع الصين، فقد تُركت تتآكل تدريجياً دون أن يُبنى مكانها بديل حقيقي.

والنتيجة أن السودان خرج من تلك المرحلة أضعف اقتصادياً وأكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية، دون أن يحصل على البديل الذي وُعد به.

وفي الوقت الذي كان السودان فيه منشغلاً بالصراعات السياسية، كانت الصين تعيد رسم خريطتها الاقتصادية في أفريقيا. ففي إثيوبيا توسعت في المناطق الصناعية والسكك الحديدية والطاقة والبنية التحتية. وفي أنغولا لم تدخل الصين كمقاول عابر، بل كمهندس مالي عبر نموذج “البنية التحتية مقابل النفط” الذي بدأ بخط ائتمان بنحو ملياري دولار عام 2004، ثم توسع إلى تمويلات بعشرات المليارات، حتى أصبحت الصين أحد أهم ممولي البنية التحتية والقطاع النفطي في البلاد. وفي موزمبيق دخلت بقوة إلى مشاريع الغاز العملاقة التي تتجاوز استثماراتها ثلاثين مليار دولار، وفي نيجيريا توسعت في السكك الحديدية والموانئ والطاقة، وفي غانا والسنغال وساحل العاج وغينيا أصبحت لاعباً رئيسياً في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية.

أما السودان، الذي كان يوماً من أهم الشركاء الاقتصاديين للصين في أفريقيا، فقد أخذ يتراجع عاماً بعد عام..
وتكشف الأرقام حجم هذا التراجع. فقد بلغ حجم التجارة بين السودان والصين خلال عام 2024 نحو 1.39 مليار دولار فقط، منها حوالي 830 مليون دولار صادرات صينية إلى السودان و560 مليون دولار واردات من السودان. وعند مقارنة هذه الأرقام بما كانت تمثله العلاقة السودانية الصينية خلال سنوات النفط، يتضح حجم التراجع الذي أصاب موقع السودان داخل الاستراتيجية الصينية.

لكن الصين لم تتغير. لم تغادر أفريقيا، ولم تقلص استثماراتها، ولم تتراجع عن استراتيجيتها طويلة المدى، بل واصلت التوسع في الموانئ والطرق والطاقة والتعدين والصناعة، وضخت عشرات المليارات من الدولارات في اقتصادات أفريقية أخرى. ولذلك لم تكن المشكلة في بكين، وإنما في الخرطوم التي تركت موقعاً استراتيجياً بنته عبر عقود دون أن تمتلك رؤية واضحة للحفاظ عليه أو تطويره.

واليوم، وبعد أن دخلت الحرب عامها الرابع، تبدو هناك بعض المؤشرات الإيجابية. فزيارة مدير البنك الزراعي إلى الصين خطوة تستحق التقدير، كما أن عودة السفير عمر عيسى إلى بكين تمثل فرصة مهمة للاستفادة من خبرته الطويلة في هذا الملف.

لكن نجاح هذه الجهود يتطلب ما هو أكبر من ذلك بكثير. فالسفير لا يستطيع وحده إعادة بناء علاقة استراتيجية، والبنك الزراعي لا يستطيع وحده إعادة السودان إلى خريطة الاهتمام الصيني.

الأمر يحتاج إلى ملف صيني متكامل على مكتب حكومة الأمل، يتضمن رؤية واضحة للزراعة والتعدين والطاقة والموانئ والسكك الحديدية والتصنيع الزراعي وإعادة الإعمار، مع قائمة مشروعات جاهزة للتمويل والتنفيذ والشراكة.

لكن السؤال الأهم هو: ماذا يمكن أن يعرض السودان على الصين اليوم؟
الحقيقة أن السودان لا ينقصه ما يجذب بكين. فهو يمتلك مشروع الجزيرة الذي لا يزال أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في العالم، ويملك ملايين الأفدنة القابلة للإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي، وهي قطاعات تتوافق مباشرة مع اهتمام الصين المتزايد بقضايا الأمن الغذائي. كما يمتلك السودان موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر يجعل من تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية مجالاً طبيعياً للتعاون، إلى جانب فرص ضخمة في مجالات السكك الحديدية والطاقة والتعدين، خاصة الذهب والنحاس والمعادن النادرة التي أصبحت محط تنافس عالمي متزايد.

كذلك فإن إعادة إعمار ما دمرته الحرب تمثل فرصة استثمارية واقتصادية هائلة، فالصين تمتلك أكبر شركات البناء والتشييد والبنية التحتية في العالم، ولديها خبرة واسعة في تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار في الدول الخارجة من النزاعات. لكن نجاح السودان في جذب هذا الاهتمام لن يتحقق بالشعارات أو الأمنيات، وإنما من خلال إعداد مشروعات مدروسة وقابلة للتمويل والتنفيذ، ضمن رؤية اقتصادية متكاملة تتبناها الدولة بكامل مؤسساتها.

الصين لا تأتي إلى الدول بالشعارات، ولا تستثمر في الخطابات، ولا تتحرك بدافع العواطف السياسية. الصين تأتي إلى المشاريع، وتذهب إلى حيث توجد الخطط الواضحة والفرص الحقيقية.

لقد كان السودان يوماً أحد أهم أبواب الصين إلى أفريقيا، لكن الدول لا تعيش على الذكريات، ولا تبني مستقبلها بالحنين إلى الماضي.. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل حكومة الأمل اليوم ليس ماذا فعلت الصين للسودان في الماضي، بل ماذا سيفعل السودان ليستعيد موقعه في العقل الاستراتيجي الصيني من جديد.

فالمأساة ليست أن الصين تركت السودان، بل أن السودان ترك موقعه في الاستراتيجية الصينية، بينما كانت بكين تبني طرقها وسككها الحديدية وموانئها ومشروعاتها العملاقة في بقية أنحاء القارة.

والدول التي تفقد موقعها في حسابات القوى الاقتصادية الكبرى لا تستعيده بالكلمات، وإنما بالرؤية والخطة والعمل.

Exit mobile version