*الذكاء الاصطناعي البعوض الاحساس البشري
*القضايا في المحاكم تحكي عدم الالتزام بالحقوق
*اعمل علي مشروع جمع شمل المبدعين من ذوي الاعاقة
حوار: ماجدة حسن
الشاعر والملحن عماد يوسف صاحب تجربة فنية بدأت مبكراً، وقدم خلالها أعمالاً غنائية وألحاناً تعاون فيها مع عدد من الفنانين السودانيين. وإلى جانب نشاطه الفني، يعمل علي لم شمل المبدعين في جمعية أسرتنا للأطفال من ذوي الإعاقة، ويهتم بدعم المواهب وقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة. في هذا الحوار يتحدث عن تجربته، وحقوق المبدعين، وأزمة الأغنية السودانية، وتأثير الحرب والسوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي على مستقبلها.ويضع الشاعر والملحن مسألة حقوق المبدعين في مقدمة أزمات الساحة، مؤكداً أن المشكلة ليست في غياب القانون بقدر ما هي في عدم تفعيله، وفي تردد بعض المبدعين في المطالبة بحقوقهم.
*بمناسبة حديثك عن التظلم.. قانون الملكية الفكرية موجود، فلماذا لا يزال الشاعر والملحن يواجهان أزمة في تحصيل حقوقهما؟ وهل المشكلة في القانون أم في الثقافة السائدة داخل الوسط الفني؟
قانون الملكية الفكرية موجود، لكنه غير مفعّل بالصورة المطلوبة. وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أننا ما زلنا نخجل من المطالبة بحقوقنا.إضافة إلى ذلك، هناك بعض الفنانين، وليس جميعهم، لا يحرصون على الالتزام والتعاون فيما يتعلق بحقوق الشعراء والملحنين. ولذلك فإن القضية تحتاج إلى وعي أكبر بالحقوق، وإلى تطبيق فعلي للقانون.
*أنت شاعر وملحن في الوقت نفسه.. عندما تولد الأغنية لديك، هل تسبق الكلمة اللحن؟ وهل تكتب الأغنية وأنت تضع فناناً بعينه في ذهنك؟
في الغالب يأتي النص أولاً، ثم يأتي اللحن ثانياً. أكتب الأغنية في البداية، وبعد ذلك أبحث عن الفنان المناسب لها، وقد تكون الأغنية شبيهة بشخصيته وصوته.
*ومتي بدأت علاقتك بالفن؟
علاقتي بالفن، فقد بدأت منذ نعومة أظافري؛ قدمت نفسي فناناً، وتمت إجازة صوتي، وسُجلت لي أعمال في مكتبة الإذاعة السودانية.
كتابتي تعبر عن نفسي، وعن الأشياء التي أشاهدها وتلامس إحساسي. والفنان الذي تلامسه الأغنية يجد نفسه فيها. وفي كل ذلك أراعي احترام مشاعر المستمع.
* تعاونت مع أسماء وتجارب فنية مختلفة.. ما الذي تبحث عنه في الفنان قبل أن تمنحه نصاً أو لحناً؟ وما الإضافة التي تنتظرها منه؟
دائماً أحرص على أن ترتقي الأغنية وأن تكون لها رسالة.
وتعاونت مع مجموعة من الفنانين، من بينهم تاور، حسين الصادق، سيف الجامعة، الراحل المقيم عبدالقادر سالم، سميرة دنيا، إنصاف مدني، تِدى القلعة، وآخرون لا يسع المجال لذكرهم.المطرب يضيف إحساسه وتعبيره عن الأغنية، ومن خلاله يصل إحساس الملحن إلى المستمع.وأنا لست متعصباً لفرض أسلوبي على الفنان، بل أحترم رأي الفنان والعازفين، لأن الهدف في النهاية هو تقديم عمل متكامل يرضي الجميع.
*يقال إن الأغنية الشبابية ابتعدت كثيراً عن الأغنية السودانية التقليدية.. كيف ترى المشهد؟ وهل التطور في الإيقاعات والتوزيع جاء على حساب الكلمة واللحن؟
الأغنية لم تختلف كثيراً، فالشباب أنفسهم ما زالوا يرددون أغنيات الحقيبة. وفي رأيي، ما زلنا بحاجة إلى أن نتشبع أكثر بغنانا السمح وفننا الأصيل.والتطور في الإيقاعات والتوزيع لم يكن بالضرورة خصماً على الأغنية القديمة؛ بل على العكس، أظهر جمال كثير من الأغنيات القديمة بصورة أكبر، وأعاد تداولها على نطاق واسع.هناك بعض الفنانين تنطبق عليهم مقولة «الجمهور عايز كده»، وهؤلاء عمرهم قصير. وفي المقابل، هناك فنانون يرتقون بالجمهور ويفرضون أسلوبهم ومدرستهم، وهؤلاء كثيرون، لكنهم مظلومون.
*. من بين أعمالك الكثيرة، ما الأغنية التي شكلت نقطة التحول الحقيقية في مسيرتك؟ وهل هناك عمل تشعر بأنه كان الأقرب إلى التعبير عنك؟
أغنية «ذرفته دموع عينيه»، وهي من كلماتي وألحاني، وكانت أول تعاون لي مع حسين، كما غناها محمود تاور، وكانت سبباً في معرفتي بالشاعر إسحق الحلنقي.
وحقيقةً، كانت هذه الأغنية الأكثر تعبيراً عني في تلك الفترة، لأنها كانت تجربة شخصية، كما أنها قدمتني إلى الوسط الفني.وهناك أعمال أخرى أعتز بها، منها أوبريت «يا بيوت»، من كلمات د. مجتبى كمال، وشارك فيه أكثر من عشرة فنانين، وأوبريت «حتبقى حكاوي» للفنان شكرالله عزالدين.ومنها أيضاً أغنية «بعد عسر»، كلمات د. عارف تكنة، وغناها الفنان الهادي الجبل في أول تعاون لي معه، إلى جانب أغنية «الحب الكبير»، كلمات عوض حسن أحمد، وألحان الموسيقار برعي محمد دفع الله، وهي مسجلة بصوتي في الإذاعة السودانية تسجيلاً رسمياً.
* اليوم يستطيع أي شخص تقريباً إنتاج أغنية ونشرها والوصول إلى الجمهور مباشرة.. هل ترى أن السوشيال ميديا حررت الأغنية أم ساهمت في إضعاف معاييرها؟
تسريح فرقة الإذاعة الموسيقية ووقف التسجيلات الرسمية للأعمال الجديدة خلق فجوة كبيرة.
وأصبحت الإطلالة على الجمهور سهلة في ظل عدم وجود مؤسسات فنية متخصصة، مما أدى إلى سهولة إنتاج أغنيات لا ترقى إلى المستوى، وأضر كثيراً بجودة الأغنية.
وهناك بعض المحسوبين على الوسط الفني، من شعراء وملحنين وفنانين، كل همهم الكسب المادي، مع التوقف التام لشركات الإنتاج الفني، خاصة أن شركات الإنتاج كانت تخضع للرقابة.
. *في ظل انتشار الأغنيات عبر المنصات الرقمية، هل يحصل الشاعر والملحن على حقوقهما بصورة عادلة؟ ومن المستفيد الأكبر من هذا الانتشار؟
الجلسات والقضايا التي تشهدها أروقة المحاكم دليل على عدم الوفاء والالتزام تجاه حقوق الشعراء والملحنين.
ورغم أن ما يتقاضاه الشاعر والملحن لا يساوي أجر إقامة حفل ليوم واحد، إلا أن البعض لا يلتزم حتى بهذه الحقوق.
أما الأغنيات المنتشرة عبر المنصات والوسائط الرقمية، فهي مرحلة ما زلنا في بدايتها، والمستفيد الأول منها هو الفنان.القانون موجود في السودان، لكن التنفيذ يحتاج إلى تضافر جهود الجميع ووضع القانون موضع التنفيذ، والبداية يجب أن تكون من الأغنيات الرسمية للدولة.
. *الحرب غيّرت تفاصيل الحياة السودانية كلها.. إلى أي مدى انعكس ذلك على الأغنية؟ وهل أصبح على الشاعر والملحن دور يتجاوز صناعة الأغنية إلى المساهمة في التعافي الوطني؟
الفن لا ينفصل عن الوطن، ويتعافى بمعافاة الوطن.
نحن محتاجون إلى زرع الوطنية بصورة أكبر في المجتمع، وذلك من خلال إنتاج أغنيات وطنية معبرة تنبذ الجهوية والعنصرية.تأثير الحرب كان شديداً على المبدعين، وانعكس ذلك على المنتج الإبداعي.وأنا أؤمن بأن الكلمة لا تقل عن الطلقة وحمل السلاح، ويمكن لها أن تداوي كثيراً من الجراح. لكن ما قُدم حتى الآن لا يرقى إلى مستوى التضحيات التي قدمها أبناء الوطن.قدمت أوبريت «يا بيوت»، وأوبريت «حتبقى حكاوي»، وأعمالاً أخرى للفنان المناضل عاطف السماني، وأتمنى أن تساهم هذه الأعمال في التعافي.والآن لدي عملان من كلمات الشاعر إسحق الحلنقي، هما «الشوارع زينوها» و**«باكر الخرطوم بترجع»**، إلى جانب «ما في أحلى من وطنا» التي قدمتها الفنانة سميرة دنيا.
*. في عصر أصبحت فيه المشاهدات والأرقام معياراً سريعاً للشهرة، هل يمكن أن نقيس نجاح الأغنية بعدد المشاهدات؟ وماذا يمكن أن يضيف الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الموسيقى؟
مهما بلغت المشاهدات، لا يمكن أن تكون المعيار الحقيقي لنجاح الأغنية، لأنها غير ثابتة ولا تصمد بالضرورة مدة طويلة.الأغنية إحساس، والذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من جودة وتطور، لا يمكن أن يعوض الإحساس البشري.
أكتفي بأنه اصطناعي، لأن الواقع مختلف تماماً. لكن يمكن الاستفادة منه بالتأكيد في حدود المعقول، خصوصاً في مجالات التسجيل والتوزيع.
*. إذا تجاوزنا أزمة الإنتاج وحقوق المبدعين، ماذا يحتاج الفنان والشاعر والملحن السوداني اليوم؟ وهل ترى أن الجيل الجديد قادر على إنقاذ الأغنية من حالة التراجع التي تصفها؟
أولاً، أتمنى أن يعود الأمن والأمان إلى ربوع الوطن العزيز والغالي، وأن يعود الاستقرار ويتعافى الوطن، لأن ذلك ينعكس على كل مناحي الحياة، ومنها الفنون عموماً.
وأتمنى أن يجد المبدع التقييم الأدبي والمادي الذي يستحقه، وأن تفتح أبواب التسجيلات والمهرجانات الفنية، وأن يُفعّل قانون حق المؤلف.
لدينا مواهب ممتازة وأصوات شابة واعدة، لكن ما يقدم في الساحة الآن لن يصمد طويلاً؛ هناك أغنيات سريعة الذوبان.
للأسف، معظم الفنانين يتبارون الآن في تقديم أعمال ضعيفة، وموسيقى صاخبة، ومفردات لا ترقى إلى المستوى، رغم توفر موسيقيين ممتازين واستديوهات متطورة.
أما على مستوى مشروعي، فأنا أعمل في جمعية أسرتنا للأطفال من ذوي الإعاقة أستاذاً للموسيقى، وبدأت في إعداد منهج خاص لهم.
كما بدأت العمل في المنظمة الوطنية للأنشطة الطوعية، بهدف جمع شمل الموهوبين من الفنانين والشعراء والعازفين والتشكيليين والمصممين، ودعم تجاربهم وإبداعهم الفني، واكتشاف مواهبهم، وتمليكهم المعينات الفنية، وإقامة الحفلات وإنتاج أعمالهم بأحدث الوسائل.وترأس المنظمة الأستاذة أميمة عبد المنعم الطيب، والأمين العام الأستاذ الأجواء محمد ، وأنا أمين المال والإعلام الثقافي.