لا تعاني أفريقيا فقط من ضعف التجارة العالمية، بل من مشكلة أكثر غرابة: الأفارقة يتاجرون مع بقية العالم أكثر مما يتاجرون مع بعضهم البعض.
قد يكون نقل سلعة من دولة أفريقية إلى أوروبا أو الصين أسهل وأرخص من نقلها إلى دولة أفريقية مجاورة بسبب الجمارك والحدود والطرق والبيروقراطية والعملات.
ولهذا تعد منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية AfCFTA أحد أكثر المشروعات الاقتصادية طموحاً في تاريخ القارة.
الهدف هو تحويل أكثر من خمسين اقتصاداً متفرقاً إلى سوق واحدة تضم أكثر من 1.4 مليار مستهلك.
وتقدر دراسات البنك الدولي أنه إذا طبقت الاتفاقية بصورة عميقة، بما يشمل التجارة والاستثمار والمنافسة والتجارة الإلكترونية، فقد تزيد الدخول الأفريقية بنحو 9% أو 571 مليار دولار بحلول 2035، مع إمكانية انتشال نحو 50 مليون شخص من الفقر المدقع وخلق قرابة 18 مليون وظيفة. (World Bank)
لكن الرقم الأكثر أهمية يتعلق بالتجارة داخل أفريقيا؛ إذ قد تقفز الصادرات البينية بأكثر من 100%.
لماذا يعد ذلك مهماً؟
لأن أفريقيا تصدر إلى الخارج في الأساس النفط والمعادن والمواد الزراعية الخام، بينما تحتوي التجارة بين الدول الأفريقية على نسبة أعلى من المنتجات المصنعة.
وهذا يعني أن السوق القارية قد تصبح محركاً للتصنيع.
بدلاً من أن تصدر دولة القطن إلى آسيا وتشتري منه الملابس، يمكن أن تنتج دولة أفريقية القطن، وأخرى الخيوط، وثالثة الملابس، ثم تباع السلعة في سوق أفريقية رابعة.
هذه هي الطريقة التي تعمل بها سلاسل القيمة الحديثة.
لكن إلغاء الرسوم الجمركية وحده لن يكون كافياً.
إذا احتاجت الشاحنة أياماً لعبور الحدود، وإذا كانت الطرق سيئة، وإذا طلب كل بلد شهادة مختلفة للمنتج نفسه، فلا معنى كثيراً لخفض التعرفة الجمركية.
ولهذا فإن مستقبل AfCFTA يعتمد على الموانئ والطرق والسكك الحديدية والجمارك الإلكترونية ونظم الدفع بقدر اعتماده على نصوص الاتفاقية.
هناك كذلك مشكلة العملات.
قد يحتاج مستورد في غانا إلى تحويل السيدي إلى الدولار حتى يدفع لمصدر في كينيا، ثم يحول الأخير الدولار إلى الشلن.
هذه الدورة تستنزف العملة الصعبة وتضيف تكلفة إلى التجارة. ولهذا يجري تطوير نظم لتسوية جزء أكبر من المدفوعات الأفريقية بالعملات المحلية.
أما التحدي السياسي فهو الأصعب.
كل دولة تحب فكرة فتح السوق المجاورة أمام صادراتها، لكنها تخاف فتح سوقها أمام منافسيها.
الصناعات المحلية الضعيفة قد تطالب بالحماية، والحكومات قد تتردد في خسارة الإيرادات الجمركية.
لكن التاريخ الاقتصادي يقول إن السوق الكبيرة هي أحد شروط الصناعة القوية.
لم تصبح أوروبا الصناعية شبكة من الاقتصادات الكبرى لأن ألمانيا وفرنسا وإيطاليا صنعت كل دولة كل شيء؛ وإنما لأن أجزاء المنتج الواحد تتحرك داخل سوق واسعة.
أفريقيا تحتاج إلى الفكرة نفسها.
يمكن للمغرب أن يصبح عقدة للسيارات، ومصر للمنسوجات والبتروكيماويات، ونيجيريا للسلع الاستهلاكية، وكينيا للخدمات، وجنوب أفريقيا للصناعة الثقيلة، فيما تدخل دول أصغر في حلقات محددة من هذه السلاسل.
إذا نجحت الاتفاقية فلن يكون أهم إنجازها إزالة نقطة جمركية.
سيكون أنها تغير الطريقة التي ينظر بها المستثمر إلى أفريقيا: ليس 54 سوقاً صغيرة، وإنما سوق واحدة ضخمة.
وهذا قد يكون أثمن للقارة من اكتشاف منجم جديد؛ لأن المنجم ينفد، أما السوق فتكبر مع الناس والصناعة.