د.محمد بشير عبادي
لم يكن قرارََا لمعالجة أزمة،كان اعترافََا بفشل هيكل اقتصادي كامل. أمس الأربعاء، استدعى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، وزير المالية ووزيرة الصناعة والتجارة إلى اجتماع طارئ، وانتهى الاجتماع بتوجيه رئاسي من ثلاث حزم: إلغاء قرارات حظر الاستيراد السابقة، وإعفاء ثماني سلع أساسية من الجمارك كليََا وفي مقدمتها الخضروات والفواكه، وفتح باب استيرادها لأي تاجر دون قيد.
بهذا التوجيه، قررت دولة تملك (175 مليون) فدان صالح للزراعة، و(18.5 مليار) متر مكعب من مياه النيل، وأكثر من (5) مليارات متر مكعب من المياه الجوفية، أن حل أزمة الغذاء ليس في الجزيرة ولا الرهد ولا طوكر، بل في أسواق العبور الأجنبية،فدولة النيل قررت أن تستورد الطماطم.
القرار صدر في سياق خانق. سعر الدولار تجاوز (10 آلاف جنيه) في السوق الموازي، وجوال الدقيق زنة (25) كيلو قفز من (155 ألفََا) إلى (195 ألف) جنيه خلال (24) ساعة، ورغيفان في أمدرمان بألف جنيه، وربع الدخن بـ (70 ألف) جنيه. لكن معالجة الغلاء الناتج عن تدهور العملة بإغراق السوق بسلع مستوردة، هو كمن يعالج نزيف الدم بحبة بندول. مسكن سريع سيخفض الأسعار (30%) لأسابيع، ثم يترك جرحََا غائرََا في جسد الإنتاج لا يندمل لسنوات.
الأرقام تدين المنطق الذي بني عليه القرار. السودان لا يزرع سوى (21%) فقط من أراضيه القابلة للزراعة والتي تبلغ (84 مليون فدان). الفاقد بعد الحصاد يصل إلى (35%) من المحصول حسب منظمة الزراعة والأغذية العالمية “الفاو”، لا لقلة الإنتاج،إنما لإنعدام الطرق الممهدة والنقل المبرد وأسواق الجملة. أكثر من (60%) من سكانه شباب تحت الثلاثين، والبطالة بينهم تفوق (40%). السودان الذي يملك أخصب أرض وأوفر وأعذب مياه ويعيش فيه شعب شاب،يشكو من قلة المعروض.
إن القرار الذي أصدره البرهان يستنزف ما لانملكه(الدولار)،فالتبادل مع مصر بلغ (1.25 مليار دولار) في (2025م)، والراجح فيه هو الصادرات المصرية إلى السودان، وفي قلبها (80 مليون دولار) واردات غذائية وخضروات وفواكه. كل شحنة طماطم مستوردة هي دولارات تخرج من بنك السودان المركزي في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للدولار لاستيراد الدواء والوقود ومدخلات الإنتاج. نبدد احتياطي البلاد الشحيح على ما يمكن أن تنتجه أرضنا في ستين يومََا.
هذا القرار يخلق منافسة غير شريفة. المستورد بعد التوجيه الجديد معفى (100%) من الجمارك، يدخل بلا قيد ولا احتكار. أما المزارع في الجزيرة والقضارف والشمالية، فيدفع ضريبة إنتاج، ورسوم عبور ولائي، ورسم سوق مركزي، ورسم نفايات، وزكاة، وجبايات طرق قومية. الطماطم المستوردة ليست أرخص لأنها أفضل،لكن لأن الدولة قررت أن تدعم المزارع الأجنبي وتجلد المزارع الوطني. كيف نطلب من منتج أن يزرع وهو يرى الدولة تكافئ منافسه بإعفاء كامل؟
النتيجة معروفة ومجربة. سيخفض القرار الأسعار لثلاثة أشهر قادمة، ثم يأتي الموسم الشتوي، فيجد المزارعون أنفسهم خاسرين، فيتركون الأرض، فيهجر الزراع الحقول، فتتقلص المساحة المزروعة من (21%) إلى (15%)، فتصبح البلاد مستوردََا دائمََا. هذا ما حدث بالضبط في الفول والعدس وزيوت الطعام. كنا ننتجها، ففتحنا استيرادها بحجة الغلاء، فمات إنتاجها إلى الأبد.
ما الذي كان يجب أن يقرره الاجتماع الطارئ؟
كان يجب أن يقرر إلغاء الجبايات لا إلغاء الحظر. قرار واحد بإلغاء كل الرسوم الولائية والمحلية على نقل الخضروات بين الولايات يخفض سعر الكيلو (50%) فورََا دون تكلفة دولار واحد. فجوال البصل كمثال يدفع سبع جبايات قبل أن يصل الخرطوم.
كان يجب أن يقرر تأهيل السوق لا إغراقه،إذ لا يوجد سوق جملة مبرد مكتمل واحد يربط مناطق الإنتاج بالخرطوم. إن إنشاء ثلاثة أسواق مبردة قد يقلل الفاقد من (35%( إلى (10%)، وهذا وحده يزيد المعروض (25%) دون حاجة لزراعة فدان جديد.
وكان يجب أن يقرر تشجيع الصادر لا الوارد،اليوم يحتاج مصدر المانجو السوداني إلى (17) توقيعََا لشحن طن واحد، بينما يحتاج مستورد المانجو بعد التوجيه الجديد إلى صفر توقيع.
هذه ليست سياسة اقتصادية، هذه انتحار اقتصادي. بسطوا إجراءات الصادر، وأعفوا الشاب الذي يزرع خمسة أفدنة خضار من الضرائب لثلاث سنوات، وملكوه طلمبة تعمل بالطاقة الشمسية بالتقسيط، بدلََا من إعفاء التاجر المستورد وأخطر ما في التوجيهات أنها صدرت ومناطق الإنتاج الرئيسة خارج الخدمة بسبب الحرب.
في زمن الحرب، الدول العاقلة تعلن طوارئ زراعية، لا طوارئ استيرادية. ماذا لو أغلقت المعابر غدََا؟ سنكتشف أننا قتلنا موسمنا الشتوي بأيدينا، وأصبحنا بلا إنتاج محلي ولا قدرة على الاستيراد.
السودان لا يحتاج أن يستورد الخضر والفواكه،السودان يحتاج قرارََا رئاسيََا آخر من ذات المكتب، يسمح لطماطم الجزيرة ولموز وبصل كسلا ومانجو جنوب كردفان والنيل والأزرق وجوافة سنجة وبرتقال وتمر الشمالية وقضيم كردفان…أن تصل إلى أمدرمان دون أن تدفع إتاوة في كل كيلومتر.