

د. عبد العظيم حسن
كادت حادثة الحجر الأسود أن تشعل حرباً بين قبائل مكة، غير أن الحل الألمعي الذي ابتكره النبي صلى الله عليه وسلم لإدارة تلك الأزمة لم يطفئ فتيلها فحسب، بل قدّم للبشرية نموذجاً عملياً لما يُعرف اليوم بـ«المائدة المستديرة»، حيث يجلس الجميع على قدم المساواة بحثاً عن مخرج. غير أن الجلوس وحده لا يكفي، فالتوافق لا يتحول إلى واقع ما لم تصحبه حلول موضوعية وتدابير إجرائية واضحة.
في السودان ظل السلوك السياسي السائد هو التنازع على سلطة غير مستحقة. ففي كل مرة يلجأ حزب، أو تحالف أحزاب، إلى مغازلة المؤسسة العسكرية لتسليمهم السلطة، غير أن هذه المؤسسة سرعان ما تنقلب عليهم. ومع تكرار هذا المشهد أصبحت المؤسسة العسكرية عملياً أكبر حزب مستمسك بالسلطة، إما منفردة بها أو شريكاً بحصة لا تقل عن نصيب الأسد.
وهكذا لم يعد الصراع يدور حول كيفية بناء الدولة، بل حول من يملك السلطة. وبين هذا وذاك ظل الوطن نفسه خارج معادلة التنافس. والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها أن استمرار هذا النهج لن يقود إلا إلى فراغ سياسي كامل. فما دام المدنيون غير مستعدين لتجاوز خلافاتهم من أجل وطنهم، فقد تأتي لحظة لا نجد فيها ما نتنازع عليه. السياسة في معناها الصحيح هي إدارة شؤون الناس بما يحفظ مصالحهم ويحقق طموحاتهم. ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري البحث عن صيغة تسوية سياسية تقوم على توافق وطني واسع. ويمكن أن تبدأ هذه الصيغة، في مرحلتها الأولى، بجمع الكيانات الرافضة لتمرد الدعم السريع، ثم تتطور في مرحلة لاحقة إلى مائدة وطنية تضم جميع الفرقاء. غير أن المشاركة في تلك المداولات لا ينبغي أن تمنح امتياز قيادة مرحلة ينبغي أن يتولاها أشخاص غير منتمين لأي حزب أو تحالف حزبي.
إن إنهاء حروب السودان لن يتحقق بالشعارات، بل بقرارات وخيارات صعبة تتطلب شجاعة سياسية وإرادة صادقة. خيارات تفتح الطريق أمام الكفاءات الوطنية غير المنتمية لمعسكرات الحرس القديم، الذي لم يفشل في إدارة البلاد فحسب، بل أعاق حتى محاولات الإصلاح طوال سبعين عاماً. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراع على السلطة، بل إلى شجاعة الاختيار بين إنقاذ الدولة أو ضياعها.