يستيقظ الاقتصاد السوداني اليوم على حقيقة بنيوية قاسية لا تقبل التأويل ولا تحتمل أنصاف الحلول، وهي أن النموذج الإداري الذي ساد لعقود، والمستند إلى “فلسفة الندرة” وعقيدة “الجباية المالية”، قد وصل إلى سدرة منتهاه، مخلفاً وراءه ميزانية عرجاء تستجدي الاستقرار من جيوب المواطنين المنهكة وعبر ملاحقة صعود الدولار الجمركي في سباق عبثي نحو الهاوية.
إن ما يمر به السودان في هذا المنعطف التاريخي ليس مجرد عجز عابر في الأرقام أو فجوة مؤقتة في الميزان التجاري، بل هو انفصام هيكلي مزمن بين واقع موارد إعجازي وبين سياسات نقدية ومالية عقيمة، مما يجعل من “علم البدائل” ضرورة وجودية لا ترفاً أكاديمياً، للانتقال من عقلية “سد العجز عبر الجباية” إلى رحاب “خلق الفائض عبر الإنتاج الوطني السيادي” الذي يضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار مالي جاف.
إن الاستقلال الاقتصادي الذي نطالب به، والذي يمثل جوهر هذه الرؤية الاستراتيجية، يبدأ إبستيمولوجياً بتغيير الهوية الوظيفية للدولة وجهازها المالي، حيث يجب أن تتحول وزارة المالية من محض “محصل للرسوم” ومراقب للصرف الجاري إلى “مهندس للنهضة الاقتصادية” وقائد لعملية التحول الهيكلي الشامل. وهذا التحول لا يمكن أن يتأتى إلا بفرض ولاية قانونية صارمة وشاملة على كافة الأموال العامة دون استثناء، وتفكيك دولة “الحسابات المجنبة” التي حولت مؤسسات الدولة والجامعات والشركات الحكومية إلى جزر مالية معزولة تستنزف السيولة الوطنية بعيداً عن الرقابة المركزية.
إن دمج هذه الميزانيات في “حساب الخزينة الموحد” هو استرداد للسيادة المالية المفقودة، وهو الكفيل بتوفير كتلة نقدية ضخمة تغني الدولة عن الخطيئة الكبرى المتمثلة في “التمويل بالعجز” وطباعة العملة التي تسرق رغيف الخبز من أفواه الفقراء وتقتل القوة الشرائية تحت مقصلة التضخم الجامح.
وفي قلب هذه المنهجية العلمية، يبرز “الذهب” ليس كسلعة للمضاربة أو وسيلة للتهريب في أيدي شبكات المصالح، بل كغطاء نقدي استراتيجي وحصن أخير لقيمة الجنيه السوداني. إن هذا يتطلب قراراً سيادياً شجاعاً باحتكار الدولة الكامل لشرائه وتصديره بأسعار عالمية مجزية، ليتحول من “ثقب أسود” يستنزف الموارد إلى شريان حياة رسمي يزيل الضبابية عن سوق الصرف ويمول الاستيراد الضروري للدواء والوقود عبر صفقات متكافئة تحيد أثر العملات الأجنبية وتكسر حدة “الدولرة” التي أصابت النسيج الاجتماعي قبل الاقتصادي.
إن هذا المسار لا ينفصل عن ثورة “فلسفة إحلال الواردات”، التي تهدف إلى تفكيك الارتباط الشَرطي بين الاستهلاك والاستيراد، عبر تفعيل “علم البدائل” واقعاً ملموساً في قطاعات الزيوت والسكر والحبوب، وتحويل الحوافز المالية من دعم الاستهلاك الاستيرادي إلى دعم “مدخلات الإنتاج المحلي”، مع فرض حماية جمركية ذكية تمنع الإغراق السلعي الأجنبي وتمنح المنتج الوطني الفرصة ليتنفس في سوقه الخاص.
إن القراءة المتفحصة لمنحنيات الاقتصاد الكلي السوداني تؤكد أن “التعويم الحر” في بيئة تفتقر للمتطلبات الهيكلية هو “انتحار نقدي” معلن يدفع ثمنه المواطن البسيط، والبديل العلمي يكمن في اعتماد “سعر الصرف المدار” المدعوم باحتياطيات الذهب والسلع الاستراتيجية وبناء “سيكولوجية ثقة” تفتقدها الأسواق اليوم. إن تثبيت سعر الصرف لا يأتي بقرارات إدارية فوقية، بل ببناء “غطاء إنتاجي” صلب يرفع القيمة المضافة للصادرات الوطنية؛ فلا يعقل أن يظل السودان مصدراً للمواد الخام كالصمغ العربي والسمسم والماشية الحية، بينما تُصنع هذه الموارد في الخارج وتعود إلينا بأضعاف أثمانها محملةً بمرارة العجز.
إن منع تصدير الخام وتدشين عصر “الصناعات التحويلية” هو السبيل الوحيد لتحقيق فائض مستدام في الميزان التجاري، وهو ما يتطلب ابتكار أدوات تمويلية “تشاركية” غير تضخمية، مثل “الصكوك الحكومية الاستثمارية” التي تستقطب مدخرات الجمهور والمغتربين وتجعلهم شركاء في مشروعات الطاقة والزراعة، بدلاً من أن يكونوا مراقبين لانهيار قدرتهم الشرائية.
ولأن أزمة الاقتصاد هي أزمة إدارة في المقام الأول، فإن إصلاح الهيكل الإداري للدولة يمثل العمود الفقري لهذه النهضة، حيث يجب أن تنتقل الدولة من عقلية “الجباية بالإكراه” إلى “التمويل بالمشاركة والنتائج”. يجب أن تتحول الميزانية من نظام “البنود التقليدية” القائم على الصرف التاريخي الجامد، إلى “موازنة البرامج والأداء” التي تربط كل قرش عام بأثر اجتماعي واقتصادي ملموس.
وهذا الإصلاح يتطلب حوكمة راديكالية وشاملة، تشمل إخضاع الجانب المدني للشركات التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية لولاية وزارة المالية، ليس من باب المصادرة، بل من باب “العدالة التنافسية” التي ترفد الخزينة العامة وتضمن تكافؤ الفرص في السوق الوطني. إن توسيع المظلة الضريبية أفقياً لتشمل القطاع الموازي عبر حوافز الدمج الذكي، هو الضمان الوحيد لتخفيف العبء عن كاهل القطاع المنظم والمواطن الملتزم، وهو ما يمهد الطريق لسلام اجتماعي حقيقي يرتكز على الشفافية والمساءلة.
ختاماً، إن هذه الرؤية الاستراتيجية ليست محض أرقام أو نظريات صماء، بل هي “مانيفستو” للكرامة الوطنية، تؤكد أن السودان لا يعاني من “عقم الموارد” بل من “عقم الإرادة” في إدارة تلك الموارد. إن خارطة طريق السلام والنمو المستدام التي نطرحها، تربط بين إنهاء النزاعات وبين “النهضة الزراعية والحيوانية الشاملة” التي تحول السودان إلى “سلة غذاء عالمية” واقعية لا شعاراً مستهلكاً. إن الانتقال إلى موازنة الإنتاج هو “عقد اجتماعي جديد” يجعل من المواطن شريكاً في الفائض لا ضحية للعجز، ويحول “علم البدائل” إلى ثقافة وطنية شاملة.
إننا نحتاج اليوم إلى إرادة سيادية صلبة تمتلك شجاعة “التغيير الهيكلي” لتقول للعالم وللشعب إن السودان يمتلك زمام أمره الاقتصادي، وأن فجر الإنتاج قد أطل ليطوي ليل الجباية والتبعية إلى الأبد، فالاقتصاد هو فن الممكن، والبديل الوحيد للفشل اليوم هو النجاح المحصن بالسيادة والعدالة والعلم.