السودان… كرة القدم بين الريادة الضائعة والواقع المرير

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

رغم أن السودان كان أول دولة تنظم بطولة كأس الأمم الأفريقية، ورغم التاريخ العريق والموهبة الفطرية التي لا ينكرها أحد، إلا أن السؤال المؤلم ما زال مطروحًا بإلحاح:

لماذا لم يكن لدينا يومًا منتخب يخشاه الجميع؟

ولماذا غبنا عن قائمة أفضل عشرة منتخبات في أفريقيا؟

ولماذا لم نؤسس أكاديميات حقيقية تصنع اللاعب من القاعدة؟

ولماذا لم نرَ أسماء سودانية بارزة في كبرى الدوريات الأوروبية؟

الإجابة، بكل وضوح ودون مواربة، تكمن في فشل منظومتنا الكروية، وعلى رأسها اتحاد كرة القدم ومن يدور في فلكه. فالفهم السائد للعبة لا يزال حبيس الماضي، قائمًا على أوهام مثل “لاعب خبرة”، و“لاعب كبير في السن يثبت الصغار”، و“مهاجم يخوف المدافعين بالاسم”، وهي مفاهيم تجاوزها الزمن، ولم يعد لها مكان في كرة القدم الحديثة.

المؤسف أن هذا الفهم القديم لم يقتصر على الإداريين فقط، بل تسلل إلى قطاع من الجمهور، الذي ما زال أسير الانتماءات الضيقة والصراعات المحلية. أي نقاش حول ضرورة الاعتماد على المحترفين يُواجَه بالرفض، وتُرفَع أسماء بعينها باعتبارها “خطًا أحمر”، بينما الواقع داخل الملعب يفضح كل تلك المسلمات.

كرة القدم اليوم لا تعترف بالأسماء، بل بالأداء. لا يوجد لاعب “يخيف” خصمه لمجرد تاريخه، وإنما لاعب يفرض نفسه بجهده، ووعيه التكتيكي، وقدرته على مجاراة الإيقاع العالي. ما رأيناه مؤخرًا يثبت أن الاحتراف الحقيقي يصنع الفارق، وأن اللاعب الذي تربى في بيئة تنافسية صحيحة يختلف جذريًا عن لاعب أُنهِكته المجاملات والاختيارات الخاطئة.

المنتخب الوطني ليس ساحة لتصفية حسابات الأندية، ولا منصة لإرضاء جماهير الهلال والمريخ. المنتخب هو السودان كله، ومن حقه أن يُدار بعقلية وطنية، علمية، حديثة. نريد لاعبين في أوج عطائهم، يعرفون أساسيات اللعبة، يمتلكون اللياقة والانضباط والغيرة على الشعار، لا لاعبين يُستدعَون لأنهم “أسماء” أو “أبناء تاريخ”.

مشهد لاعب يبكي بعد صافرة النهاية ليس تفصيلاً عاطفيًا عابرًا، بل رسالة عميقة عن معنى الانتماء الحقيقي. والفرح الصادق بعد تسجيل هدف ليس صدفة، بل انعكاس لإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن. هذه الروح هي ما نحتاجه، مقرونة بالاحتراف، لا بالضجيج الإعلامي والتطبيل الفارغ.

إذا أردنا منتخبًا نحترمه ونفتخر به، فعلينا أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بالفشل، والجرأة للمطالبة بالتغيير. آن الأوان لإبعاد العواجيز فكريًا وبدنيًا، وفتح الباب أمام مشروع وطني حقيقي يعتمد على المحترفين، ويؤسس للمستقبل بعقل لا يعيش على أمجاد الماضي.

من حقنا أن نفرح، ومن حقنا أن ننافس، ومن حقنا أن يكون لنا منتخب يليق باسم السودان.

والبداية الحقيقية… إصلاح جذري، ومحاسبة صادقة، وصوت جماهيري لا يساوم.

Exit mobile version