السودان بين سلام الميدان وتبييض السياسة: مؤتمر واشنطن، إنسانية المانحين، وأزمة الوساطة المنحازة!؟
Mazin
معاوية التوم
لا يمكن قراءة ما جرى في واشنطن تحت مسمى “مؤتمر سلام السودان” بمعزل عن سياقه الحقيقي، بوصفه محاولة متأخرة لإعادة تدوير أزمة حُسمت ميدانيًا إلى حد كبير، لا مبادرة سلام بالمعنى الاستراتيجي الشامل،وشواهدها في فك الحصار عبر فتح طريقي الدلنج وكادوقلي ماثلة … فالسلام، حين يأتي بعد تغيّر جوهري في ميزان القوة، ينبغي أن يكون تثبيتًا للعدالة، وتجاوزا للجدليات غير المنصفة، لا إدارة للارتباك الناتج عن انهيار مشروع عسكري إقليمي فشل على الأرض،بفعل (التمرد وصمود وتأسيس) .
الحديث عن “وثيقة جاهزة”، و”إنهاء حرب”، و”إدخال مساعدات إنسانية”، بعد ما يقارب الثلاثة أعوام من الصمت الدولي، لا يعكس حرصًا حقيقيًا على السلام، بقدر ما يكشف محاولة متأخرة للتكيّف مع واقع جديد فرضته التطورات العسكرية. فالدعم السريع، الذي كان يُسوَّق له في مراحل سابقة بفكرة (الطرفانية) كقوة قادرة على فرض أمر واقع، تم تفكيك بنيته العملياتية الأساسية، وقادته وقاعدته القبلية وخسر المدن الاستراتيجية، ومخازن السلاح، وخطوط الإمداد، وتحول من مشروع انقلاب إلى عبء أمني مفكك.
في مثل هذه اللحظات، لا تبدأ عادة مسارات السلام، بل تبدأ محاولات الإنقاذ السياسي للمهزوم عسكريًا. وهذه هي المعضلة الجوهرية في مؤتمر واشنطن؛ إذ لم ينطلق من قراءة واقعية لجذور الصراع، بل من رغبة في القفز فوق نتائجه، عبر إعادة إدخال ميليشيا منهارة إلى المشهد السياسي تحت لافتات إنسانية ودبلوماسية، وهو عجز للإرادات التي ظلت تسند التمرد وترعاه وما تزال.
الخطير في الخطاب الصادر عن المؤتمر لا يكمن في حديثه عن المساعدات أو الهدنة الإنسانية، بل في محاولته إحداث مساواة زائفة بين الدولة السودانية ومشروعيتها القائمة، وميليشيا ارتكبت المجازر وجرائم الإبادة والاغتصاب والنهب والتهجير القسري، لا يمكن توصيفها إلا كجرائم ضد الإنسانية، وتمت ادانتها من منظومات دولية حقوقية وازنة . فالدعم السريع ليس طرفًا سياسيًا، ولا قوة اجتماعية، ولا كيانًا تفاوضيًا، بل تنظيم مسلح خارج عن القانون، نشأ على العنف المنهجي، وتغذّى على اقتصاد الحرب، بتمويل خارجي، ولا يملك أي حق أخلاقي أو قانوني أو وطني في الجلوس على طاولة تحدد مستقبل السودان، وقواعد حكمه بهذا الرصيد من الخراب والتدمير الممنهج.
إن إدخال مثل هذا الكيان في مفاوضات سياسية لا يمثل تسوية، بل جريمة في حق أهل السودان وإعادة شرعنة للجريمة، وتكريسًا لمنطق الإفلات من العقاب، وهو منطق ثبت تاريخيًا أنه لا يصنع سلامًا، بل يؤسس لدورات عنف أشد قسوة وانتقاماً.
غير أن البعد الأكثر إشكالية في هذا المسار يتمثل في توظيف العمل الإنساني كأداة تبييض سياسي واستغلال للنفوذ المادي في مكافئة الجاني . فحين تُرفع شعارات حماية المدنيين وإدخال المساعدات في سياق يتجاهل تسمية الجناة، ووقف مصادر تسليحهم، ومحاسبة داعميهم، تتحول الإنسانية من قيمة أخلاقية إلى أداة ضغط وانتقائية سياسية بغيضة ونفعية مجحفة تدلل على عجز هذه الأطراف.
وهنا تتبدى المفارقة الصارخة في الدور الإماراتي. فالإمارات التي تُقدِّم نفسها اليوم بوصفها “مانحًا إنسانيًا” في السودان، هي ذاتها التي وُجِّهت إليها اتهامات متعددة، مدعومة بتقارير وتحقيقات صحفية وحقوقية، بتقديم دعم مباشر وغير مباشر لميليشيا الدعم السريع المتمردة ، سواء عبر التسليح، أو عبر تسهيل شبكات الإمداد، أو من خلال تغذية اقتصاد الحرب عبر الإقليم. ولا يمكن، في أي قراءة أخلاقية أو سياسية جادة، الفصل بين الفاعل الذي ساهم في إنتاج الكارثة، وبين ادعائه لعب دور المنقذ الإنساني لاحقًا.
فمفهوم “المانحين إنسانيًا” يفقد معناه حين لا يكون محايدًا، وحين يتناقض التمويل الإنساني مع مصدر الجريمة. الإنسانية لا تُقاس بحجم الشحنات، بل بالمواثيق والمباديء التي تحكمها والوقوف الي جانب الضحايا برؤية واضحة، ونزاهة الفعل، والاستعداد لتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية. أما حين تُستخدم المساعدات لتبييض الأدوار، أو لإعادة تدوير ميليشيا مهزومة سياسيًا، فإننا أمام إنسانية مُسيّسة لا تخدم الضحايا، بل تُقايض دماءهم بتوازنات إقليمية، ومجاملات لا تمت للإنسانية بصلة.
وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال الدور الإشكالي الذي لعبه المبعوث الأمريكي الخاص السابق للسودان، توم بيرييلو، والحالي مسعد بولس والذي اتسمت تصريحاته، في مراحل متعددة، بانحياز واضح في التقدير السياسي. فكلما حققت الدولة السودانية تقدمًا ميدانيًا ملموسًا، او بفعل مدني يلامس المواطن، سعى المبعوث إلى القفز والتقليل من أثر هذه التطورات، أو التعامل معها بوصفها “تصعيدًا” لا استعادة لسيادة الدولة، مع استدعاء متكرر لفكرة “الرباعية” باعتبارها الإطار الأنسب للحل، والدولة قد حددت خياراتها منها وأسسها في التعامل مع اي ارادة تريد الانخراط في السلام بالبلاد.
غير أن هذه الرباعية، عمليًا، تجاوزتها الأحداث، ولم تعد قادرة على إنتاج تسوية حقيقية، بسبب عيوب بنيوية لازمتها منذ نشأتها، أبرزها غياب التوازن، وتناقض مصالح أطرافها، وعدم حياد بعضها، فضلًا عن فشلها في تسمية مصادر العنف أو ممارسة ضغط فعلي على داعمي التمرد. إن التمسك بإطار ثبت عجزه، لا يعكس حرصًا على السلام، بل عجزًا عن مواكبة التحولات الجارية على الأرض.
في المقابل، بدأ يتبلور خلال الأشهر الأخيرة تيار إقليمي جديد، وشبكة أمان سياسية أكثر اتساقًا مع فكرة السلام الحقيقي في السودان، قوامها دول مثل مصر، والسعودية، وقطر، وتركيا. ويتميّز هذا المسار – على اختلاف دوافع أطرافه – بقدر أكبر من الواقعية السياسية، واحترام سيادة الدولة السودانية، واحترام المؤسسات القائمة، ورفض مساواة الجيش الوطني بميليشيات خارجة عن القانون، مع التأكيد على وحدة السودان ومؤسساته.
هذا التحول لا يعني اصطفافًا أيديولوجيًا، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي سلام لا ينطلق من الدولة، والمزاج الشعبي العام ولا يعالج جذور التمرد، ولا يضع حدًا للتدخلات الإقليمية السالبة، هو سلام مؤجل، أو مؤقت، أو زائف.
أما الحديث عن فرض حكومة مدنية من الخارج، تحت عناوين فضفاضة، فيعكس بدوره فهمًا سطحيًا للواقع السوداني، ويعيد انتاج مشروعات الوصاية الخارجية. فالشعب السوداني لا يرفض المدنية كمبدأ، بل يرفض الوصاية، وإعادة إنتاج نخب فشلت في بناء تفويض شعبي حقيقي، أو ارتبطت بأجندات خارجية. المدنية ليست وصفة تُفرض عبر المؤتمرات، ولا تُصنع عبر المبعوثين، بل هي مسار وطني داخلي يبدأ بعد إنهاء التمرد، وتجفيف مصادر سلاحه، ومحاسبة قادته، والعودة إلى الشرعية الدستورية ومنطق الدولة الواحدة والجيش الواحد.
إن أي تسوية حقيقية في السودان يجب أن تنطلق من قاعدة لا تحتمل التأويل: تجريم الدعم السريع كميليشيا خارجة عن القانون، إخراجه الكامل من المشهد السياسي والأمني، تسليم سلاحه، ومحاسبة قياداته، ثم الشروع في مسار انتقالي مدني دون فرض أسماء أو منصات. التسليم والتسلّم، لا الشراكة القسرية، هو الأساس.
ما يجري اليوم في واشنطن هو اختبار لوعي السودانيين قبل أن يكون اختبارًا لنوايا المجتمع الدولي. فإما أن تُفرض السردية الوطنية القائمة على العدالة والسيادة، أو تُفرض سردية الأمر الواقع التي تسعى إلى إنقاذ الميليشيا سياسيًا بعد سقوطها عسكريًا وقانونياً. والتاريخ علّمنا أن الحروب التي تنتهي بلا عدالة، لا تنتهي حقًا، بل تعود في صورة أكثر دموية. وهذا ما لا يمكن للسودان أن يسمح بتكراره مرة أخرى!؟.ش