مع انعقاد الاجتماع الثاني و الثلاثين للجنة العليا لتغيير و استبدال العملة، يتضح أن ملف العملة يُبحث ضمن سياق اقتصادي أوسع من الأوراق النقدية؛ يشمل الاقتصاد الكلي، و الصادرات، و الذهب، و الإنتاج، و القيمة المضافة، و القوانين، و المدفوعات الإلكترونية؛ و هذا يجعل الحديث عن تغيير العملة حديثاً عن الاقتصاد الذي ستحمله العملة الجديدة، لا عن الورقة وحدها.
في المقال السابق، «ما وراء الورقة، حكاية استبدال العملة»، تناولنا استبدال العملة؛ أي سحب الأوراق المتداولة و إصدار أوراق بديلة عنها، مع بقاء وحدة العملة و قيمتها الاسمية؛ أما تغيير العملة فهو مسار مختلف، و قد يشمل تغيير وحدة الحساب أو اسم العملة، كما حدث في السودان عند الانتقال من الجنيه إلى الدينار ثم العودة إلى الجنيه.
و يبقى حذف الأصفار إجراءً آخر، قد يكون جزءاً من تغيير وحدة الحساب. فإذا حُذفت ثلاثة أصفار مثلاً، فأصبح المليون ألفاً، فقد تغيرت طريقة التعبير عن القيمة، لا القيمة نفسها، و لذلك فإن حذف الأصفار لا يحذف التضخم.
لماذا قد نغيّر العملة؟
عندما يستمر التضخم لسنوات، تتآكل القوة الشرائية للعملة، و ترتفع الأسعار، و تتضخم الأرقام النقدية حتى تصبح التعاملات و الحسابات و العقود و السجلات أكثر تعقيداً. عندها قد يصبح تبسيط وحدة الحساب أمراً مطروحاً، و من صوره حذف الأصفار.
لكن تغيير وحدة الحساب لا يعالج سبب التضخم. فالعملة يمكن تغييرها في يوم، أما بناء القيمة و الثقة التي تحميها فيحتاج إلى اقتصاد قادر على الإنتاج و النمو.
ما الذي يحمي العملة الجديدة؟
السؤال الأهم قبل التغيير هو: هل أعددنا ما يحفظ ماء وجه العملة الجديدة؟
و تبدأ الإجابة من الاقتصاد نفسه، فأول ما يجب أن يسبق التغيير هو استقرار نقدي و مالي؛ أي السيطرة على التضخم، و ضبط التوسع النقدي، و ترشيد الإنفاق العام، و الحد من تمويل العجز بوسائل تضخمية. فنجاح تغيير وحدة العملة لا يأتي بديلاً عن الاستقرار، بل يستند إليه.
ثم تأتي زيادة الإنتاج و القدرة على توليد النقد الأجنبي. فالصادرات ليست مجرد مصدر للعملة الأجنبية، وإنما أحد مصادر القوة التي تحمي العملة الوطنية. ولذلك فإن زيادة الإنتاج الزراعي و الصناعي و الخدمي، و رفع قيمة الصادرات، و تعظيم القيمة المضافة، و الحد من تسرب حصيلة الصادرات، كلها جزء من بناء العملة الجديدة قبل ظهورها.
و لا يكفي أن يكون لدى الدولة احتياطي نقد أجنبي عند بداية العملية؛ المطلوب احتياطي قابل للتجديد و الزيادة. فالاحتياطي الذي يُستهلك للدفاع عن سعر صرف غير قابل للاستمرار قد يمنح استقراراً مؤقتاً، لكنه لا يحمي العملة على المدى الطويل. المطلوب قدرة مستمرة على توليد النقد الأجنبي و إعادة بناء الاحتياطي.
و يرتبط بذلك وجود سياسة واضحة و قابلة للاستمرار لسعر الصرف؛ لأن استقرار العملة لا يعني تثبيت سعرها بأي تكلفة، وإنما إدارة سوق الصرف بما يحد من التقلبات الحادة، و يحافظ على القدرة التنافسية للاقتصاد، و لا يستنزف الاحتياطيات.
ثم يأتي الجهاز المصرفي و البنية المالية. فالانتقال يحتاج إلى مصارف قادرة على إدارة السيولة، و تحويل الأرصدة، و تحديث الحسابات و الأنظمة المحاسبية، و استمرار المدفوعات و التحويلات، و تمويل النشاط الاقتصادي. كما يحتاج إلى إطار قانوني واضح يحمي العقود و الودائع و الديون و الالتزامات، و يمنع أن يتحول اختلاف وحدة الحساب إلى اختلاف في الحقوق.
و يحتاج الانتقال كذلك إلى ثقة السوق و وضوح القواعد. يجب أن تكون نسب التحويل معروفة، و الأسعار واضحة، و العقود و الرواتب و الودائع و الالتزامات قابلة للتحويل بصورة مفهومة، مع فترة انتقال منظمة تمنع استغلال تغيير وحدة الحساب لرفع الأسعار أو إرباك المتعاملين.
وهكذا تتكامل الصورة: استقرار نقدي و مالي، و إنتاج، و صادرات، و نقد أجنبي، و احتياطي قابل للبناء، و سياسة صرف قابلة للاستمرار، و جهاز مصرفي و قانوني قادر على إدارة الانتقال.
و ماذا عن الجانب الفني؟
طباعة الأوراق و توزيعها، و تحديث الأنظمة المصرفية و المحاسبية، و أجهزة الصراف، و وسائل الدفع الإلكتروني، و التحويلات، و توعية الجمهور، و إدارة الفترة الانتقالية، كلها ضرورية، لكنها مسائل يمكن التخطيط لها و اختبارها و تنفيذها.
أما التحدي الحقيقي فهو ألا يؤدي الانتقال إلى إرباك حركة الاقتصاد و المال؛ فإذا حدث التغيير بينما الإنتاج ضعيف، و التضخم مرتفع، و سوق الصرف مضطرب، و الثقة هشة، فقد تتباطأ التجارة و التمويل، و تزداد الضغوط على السيولة و سعر الصرف، و قد يعود التضخم بقوة.
و هنا تصبح تكلفة التغيير أكبر من تكلفة الطباعة و الاستبدال؛ لأن الخطر قد يمتد إلى سرعة الدورة الاقتصادية و المالية و الثقة في العملة نفسها.
التوقيت هو المسألة:
ليس المطلوب تأجيل تغيير العملة إلى أجل غير معلوم، و لا التعجل فيه. المطلوب أن يحدد الاقتصاد موعد التغيير؛ و عملياً، ينبغي أن يسبق التنفيذ تقدم واضح في خفض التضخم، و ضبط المالية العامة، و زيادة الإنتاج و الصادرات، و بناء احتياطي قابل للتجديد و الزيادة، و استقرار سوق الصرف، و قدرة الجهاز المصرفي، و اكتمال الإطار القانوني و التقني، عندها يصبح تغيير العملة خطوة محسوبة ضمن إصلاح اقتصادي أوسع، لا مجرد إعادة ترتيب للأرقام.
فالورقة يمكن تغييرها، و الأصفار يمكن حذفها، و الأنظمة يمكن تحديثها؛ لكن القيمة لا تُطبع في مطبعة، و الثقة لا تُحمّل على جهاز، و التضخم لا يُحذف بقرار.