ثمة لحظات في تاريخ الأمم تبدو فيها الأسئلة الوجودية الكبرى أشد إلحاحاً من رصاص الميادين. السودان يعيش اليوم إحدى هذه اللحظات.
منذ أبريل 2023، لم يعد السودان مجرد دولة تمر بأزمة، بل غدا مختبراً مفتوحاً لكل الأسئلة التي طالما أجّلها السودانيون: من نحن؟ على أي أساس تقوم دولتنا؟ وهل يمكن لشعب بهذا التنوع الخصب أن يعيش في ظل عقد اجتماعي يحفظ كرامة الجميع؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً في زمن الحرب. إنها بالضبط ما يجب أن تنشغل به العقول الواعية وهي ترسم ملامح اليوم التالي. فالدول التي خرجت من محارق الحروب لتبني أنظمة راسخة لم تكتفِ بصمت البنادق، بل انكبّت على صياغة رؤية وطنية عميقة تنهل من أرسخ الحكمة الإنسانية وأصدق القيم الروحية. والسودان لن يكون استثناءً من هذه القاعدة، إن أراد لنفسه مستقبلاً.
جذور الأزمة .. حين تغيب العدالة: لفهم ما آل إليه السودان، لا بد من استحضار التاريخ بأمانة وجرأة، دون تجميل أو مصادرة.
منذ الاستقلال عام 1956، لم تكد البلاد تتنفس هواء الاستقرار الحقيقي. تعاقبت الانقلابات، وتوالت الحروب الأهلية في الجنوب والغرب والشرق والشمال، وظلت مؤسسات الدولة رهينة نُخَب ضيقة تُدير الثروة والسلطة بمعزل عن الإرادة الشعبية. لم يكن هذا طارئاً؛ كان في أحيان كثيرة منهجياً ومقصوداً.
أفلاطون في “الجمهورية” يُحذر من أن الدولة التي تفقد العدالة كمبدأ تأسيسي لا تتحول إلى نظام فاسد فحسب، بل تتحول إلى آلة منظّمة لخدمة مصالح الأقلية على حساب الأغلبية. وهذا التدهور يسير وفق منطق محكم: حين يُعيَّن الولاء بديلاً عن الكفاءة، وتُستبدل الشرعية بالقوة، ينزلق المجتمع حتماً نحو الفوضى. وهذا بالضبط ما تكرر في السودان على مدى عقود.
أما أرسطو في “السياسة”، فيُميّز بين نوعين من العدالة لا غنى عنهما معاً: التوزيعية التي تتعلق بتوزيع الثروة والمناصب بإنصاف، والتصحيحية التي تتعامل مع الجرائم والأضرار. في السودان، غابت العدالتان كلتاهما. الثروة تركّزت في الخرطوم وخدمت النخب، والإفلات من العقاب أصبح سمة هيكلية متوارثة.
العقد الاجتماعي.. حين يلتقي روسو والشورى: في القرن الثامن عشر، صاغ روسو مفهوم “العقد الاجتماعي” ليُقلب موازين الفكر السياسي: شرعية السلطة لا تُستمد من نسب أو قوة، بل من تراضي المجتمع واتفاقه على نظام يُعبّر عن الإرادة العامة. وحين تغدر السلطة بهذه الإرادة، تسقط عنها الشرعية، ويستعيد الشعب حق المطالبة بسيادته.
ما يستوقف المتأمل هو أن هذا المفهوم الذي يُعدّه كثيرون من مكتسبات التنوير الأوروبي، إنما يجد جذوراً أعمق وأسبق في التراث الإسلامي. مبدأ الشورى الذي أرسى القرآن الكريم دعائمه في قوله تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ” (الشورى: 38) ليس آليةً إجرائية للتشاور فحسب، بل مبدأ حوكمة جذري يُلزم أصحاب السلطة بإشراك المجتمع في صنع قراره، ويجعل الأمة مصدر الشرعية لا مجرد وعاء لتلقيها.
المفكر الدكتور فهمي هويدي يذهب أبعد في هذا التأصيل، مؤكداً أن الدولة في الإسلام ليست ثيوقراطية الجوهر، بل هي دولة مدنية تقوم على مواطنة كاملة متساوية في الحقوق والواجبات، لا على إقصاء طائفي أو هيمنة عرقية. وجون لوك يُضيف إلى المشهد بعداً مكمّلاً حين يُحدد وظيفة الدولة في حماية الحقوق الطبيعية للإنسان: حقه في الحياة والحرية والأمان. فحين تعجز الدولة عن أداء هذه الوظيفة، أو تتحول هي ذاتها إلى مصدر تهديد، تفقد مبرر وجودها.
هذا يتجاوب مع مقاصد الشريعة الخمس الكبرى التي صاغها الغزالي وطوّرها الشاطبي: حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين. تلك المقاصد التي تشكّل في مجموعها نظرية متكاملة لدولة الرعاية والحماية والعدل.
ترجمة هذا كله إلى واقع سوداني ملموس تعني شيئاً واحداً: أي عقد وطني قادم يجب أن يحمل توقيع كل مكونات الشعب السوداني، لا أن يكون نتاج مساومات سرية بين نخب محدودة. يعني ذلك إشراكاً حقيقياً للمرأة والشباب والأقاليم المهمشة والمجتمعات القبلية والقوى السياسية المتنوعة والمجتمع المدني. فالشورى الحقيقية والإرادة العامة كلتاهما تلزمان بشمولية لا تقبل الاستثناء.
دروس الجراح السودانية .. حين تُولد الاتفاقيات لتموت:
لا يحتاج الباحث في الشأن السوداني إلى كثير عناء ليجد في التاريخ القريب شواهد دامغة على أن التسويات المبتسرة لا تبني سلاماً حقيقياً، بل تزرع في الغالب بذور النزاعات القادمة.
مصالحة 1977 .. وهم الاكتمال: حين أعلن نميري مصالحته الوطنية وفتح الباب لعودة المعارضة، بدا للوهلة الأولى أن السودان يسير نحو توافق تاريخي. لكن المصالحة لم تكن في جوهرها أكثر من إعادة توزيع للنفوذ بين أطراف النخبة ذاتها، دون أي تغيير في البنى العميقة للسلطة، ولا في السياسات التي أفرزت الأزمة أصلاً. ظلت الأقاليم النائية تعاني التهميش ذاته، وبقيت المؤسسات الديمقراطية صورية، واستمر اتخاذ القرار في دوائر مغلقة. كان محصّلة ذلك توهجاً وهمياً قصير المدى، ثم عودة حتمية إلى دائرة الأزمة، بلغت ذروتها في أبريل 1985.
وهذا بالضبط ما حذّر منه روسو: الإرادة العامة لا يمكن ادّعاء تمثيلها، بل يجب أن تُعبّر عن نفسها مباشرةً من خلال مشاركة حقيقية، وإلا تحوّلت المصالحة إلى أداة لإضفاء شرعية زائفة على استمرار النخب ذاتها.
السلام مع الجنوب .. حين لا تكفي الاتفاقيات وحدها:
تمثّل تجربة جنوب السودان ربما أمضى الدروس وأكثرها إيلاماً. من أديس أبابا 1972 إلى نيفاشا 2005، كانت التسويات تُهندس تقاسم السلطة والثروة بين قطبين، دون معالجة عميقة للجراح المتراكمة في الذاكرة الجمعية للجنوب. ورحيل قرنق المفاجئ كشف هشاشة اتفاقية لم تجد من يتبنّاها بروح الشراكة، فتحوّلت إلى مسار إجرائي محض نحو الانفصال. الدرس بالغ الثمن: السلام المستدام لا يبنى على الإجراءات مهما بلغت من الدقة، بل يحتاج إلى مشروع وطني يُقنع الجميع بأن لهم مكاناً حقيقياً وكريماً في الدولة المشتركة. وهذا ما عبّر عنه ابن خلدون بمفهوم “العصبية”: الدول لا تقوم ولا تدوم إلا بتماسك اجتماعي داخلي يجعل أبناءها يشعرون بانتماء حقيقي، لا بمجرد إذعان قانوني.
دارفور: معادلة السلام الناقصة
من أبوجا 2006 إلى جوبا 2020، ظل النمط واحداً: تسويات تقاسم نفوذ في الأعلى، في غياب تحوّل حقيقي في بنى الحكم وتوزيع الموارد والعدالة للضحايا. مئات الآلاف لقوا حتفهم، وملايين النازحين لا يزالون يعيشون في مخيمات البؤس، دون أن يُحاسَب أحد على ما جرى. هذا الإفلات الممنهج من العقاب ليس إشكالية قانونية وحسب، بل جرح نازف في جسد الدولة يُمزق كل محاولة للوحدة ما لم يُضمَد بالعدالة الحقيقية.
تجاوز وهم المصالحات الشكلية:
يُغري الساسة المنهكون بعد الحروب خيار التسوية السهلة: وقف إطلاق النار، وتوزيع الحقائب الوزارية، والإعلان عن مصالحة تُريح الضمائر الدولية وتُخمد مؤقتاً جذوة النزاع. لكن هذه المصالحات تشبه المسكّنات التي تُخفي الأعراض دون أن تعالج المرض، بل تُفاقمه في أحيان كثيرة.
العدالة الانتقالية ليست ترفاً، بل شرط لا غنى عنه لأي سلام مستدام. وهي تشمل ثلاثة أبعاد متلازمة: الحقيقة الكاملة بلا مصادرة، والمساءلة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى أياً كانت مواقعهم، وجبر الضرر بالإنصاف العملي للضحايا وذويهم.
يقول الله تعالى: “فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الحجرات: 9). الإصلاح المشروع هو الإصلاح المقترن بالعدل لا الذي يُقلّم أظافر العدالة خدمةً للتسوية السياسية.
وجون راولز في “نظرية العدالة” يقدم اختباراً فكرياً بالغ القيمة: المجتمع العادل هو الذي يقبل كل عاقل بقواعده قبل أن يعرف موقعه فيه. هل يقبل أي سوداني عاقل بالنظام القائم لو لم يعرف إن كان من المركز أو من الهامش، من المستفيد أو من المتضرر؟ الجواب الصادق على هذا السؤال يكشف وحده الفجوة بين الواقع والعدل.
معادلة ما بعد الحرب .. نحو رؤية متكاملة:
تجارب الدول التي أفلحت في الخروج من حروبها الأهلية، من جنوب أفريقيا ما بعد الأبارتايد إلى رواندا ما بعد الإبادة، تشير إلى أن الانتقال الناجح يتطلب عناصر متكاملة لا تصح واحدة منها بمعزل عن الأخريات:
أولها، وقف الحرب وقفاً صادقاً وشاملاً، ليس هدنةً يعيد كل طرف خلالها ترتيب أوراقه، بل وقفاً فعلياً يُفضي إلى انسحاب القوات وإغلاق قنوات التسليح.
وثانيها، العملية التأسيسية الجامعة، إذ لا يمكن أن تصنع السودانَ نخبةٌ محدودة مهما حسنت نواياها. مؤتمر جامع حقيقي يضم السياسيين والإدارة الأهليّة والشباب والنساء والمجتمع المدني من كل أقاليم السودان يصوغ العقد الاجتماعي الجديد. هذه العملية في حد ذاتها ذات قيمة تعافية لا تُقدَّر، لأنها تُعيد بناء الثقة وتُرسّخ ثقافة الحوار بديلاً عن ثقافة السلاح.
وثالثها، العدالة الانتقالية الشاملة: لجان حقيقة ومصالحة بصلاحيات فعلية ومستقلة، ومحاكم مختصة بالجرائم الكبرى، وبرامج جبر ضرر، وإصلاح المنظومة القانونية والأمنية التي سمحت بارتكاب هذه الجرائم.
ورابعها، إعادة بناء المؤسسات: جيش وطني مهني متحرر من الولاءات الحزبية، وقضاء مستقل نزيه، وإعلام حر، وتعليم يُرسّخ قيم المواطنة والتنوع والعقلانية.
وخامسها، التنمية المتوازنة وإعادة الإعمار، مع التنبّه إلى أن ما خلّفته الحرب من دمار نفسي واجتماعي أشد خطورةً من الدمار المادي. إعادة بناء الإنسان تسبق إعادة بناء الجسور والطرق.
التحدي الأعمق .. الحرية والتنوع في دولة واحدة:
يقترب التحليل هنا من إشكالية فلسفية بالغة العمق: كيف تحمي الدولة حقوق أفرادها دون أن تُذيب التنوع والاختلاف في بوتقة التوحيد القسري؟
جون لوك يُجيب بأن على الدولة أن تكون حارسة الحريات لا قامعتها، وأن تتدخل في حياة المواطنين بالقدر الأدنى الضروري لصون النظام. وهذا يعني قبول التنوع ثروةً لا عبئاً، والتفريق بين وحدة المواطنة ووحدة الثقافة. أما أرسطو فيقدّم الوسطية والاعتدال مبدأً تنظيمياً للحياة السياسية: الدولة الناجحة هي التي تُدير التعقيد ولا تُنكره.
السودان بتنوعه الإثني والديني والثقافي يحتاج إلى دولة ترى في هذا التنوع مصدر قوة لا سبب انقسام. وهذا يستلزم تحولاً عميقاً في الثقافة السياسية: من ثقافة الإقصاء والأحادية إلى ثقافة التشارك والتعددية، من منطق الغلبة إلى منطق التوافق.
على مفترق الطريقين: السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مواصلة مسار التفكك الذي سلكه منذ الاستقلال بتفاوت في الوتيرة وتعدد في الأشكال، وإما التحول التأسيسي الجذري نحو دولة تُعيد كتابة عقدها الاجتماعي على أسس راسخة.
المسار الأول مألوف وأمثلته وافرة: حروب تنتهي لتعود، واتفاقيات تُوقَّع لتُخرق، ونخب تتناوب على السلطة دون تغيير حقيقي في البنى، ومجتمعات تنزف حيويتها ببطء. وهذا بالضبط ما حذّر منه أفلاطون حين وصف الدول التي تدور في دائرة مفرغة من الأنظمة المتعاقبة دون أن تبلغ نظاماً عادلاً مستقراً.
أما المسار الثاني فيستلزم تضافراً نادراً من الإرادة السياسية والوعي الشعبي والدعم الإقليمي والدولي. وهو مسار شاق لا يعِد بالسهولة، لكنه يعِد بالديمومة. والسودان يملك من الموارد البشرية والطبيعية والحضارية ما يكفي لبناء دولة عظيمة، لو أحسن أبناؤه توجيه هذه الموارد في خدمة المستقبل لا في وقود الحرب.
فهمي هويدي يُذكّرنا بمبدأ جوهري: الدولة الناجحة في الإسلام هي التي تُحقق توازناً دقيقاً بين القانون والأخلاق، بين الصرامة في تطبيق العدل والرحمة في التعامل مع الإنسان. هذا التوازن هو ما يجعل الدولة محبوبة لا مكروهة، مشروعة لا مفروضة، قوية لا متسلطة.
وابن خلدون يُحذر من أن الدول التي تفقد عصبيتها الداخلية الجامعة لا ينقذها جيش ولا ثروة، بل تنهار من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج. وبناء هذه العصبية في السودان المعاصر لا يعني العودة إلى التعصب القبلي، بل يعني بناء هوية وطنية جامعة تسمو فوق الولاءات الفرعية دون أن تلغيها، تجمع المسلم بالمسيحي والعربي بالأفريقي والشمالي بالغربي والجنوبي والشرقي في مشروع حضاري مشترك.
السودان على موعد مع التاريخ:
في نهاية المطاف، يتضح أن السودان لا يعاني من نقص في الوصفات والمبادرات والاتفاقيات، بل يعاني من أزمة أعمق: أزمة الأسس والرؤية والإرادة الجمعية. كل اتفاقية سابقة فشلت لأنها بنت بيتها على رمال الصفقات السياسية الجزئية، بدلاً من أن تبني على صخرة العدل والشمول والمواطنة الكاملة.
الرهان الحقيقي اليوم على من سيُحسن بناء السلام. وبناء السلام يستلزم استلهام أعمق ما أنتجه العقل الإنساني من فلسفة وسياسة، وأصدق ما أرسته القيم الإسلامية من مبادئ العدل والشورى والكرامة الإنسانية، في خلطة وطنية فريدة تنبع من عمق التربة السودانية وتتجاوب مع متطلبات العصر.
إما أن يصنع السودانيون تاريخهم بإرادتهم وحكمتهم وتضامنهم، أو يظلوا رهينة تاريخ يُكرر نفسه بأشكال مختلفة وجراح متجددة. والاختيار في نهاية المطاف هو اختيار الإنسان السوداني في كل موقف يتخذه وكل انتماء يختاره.
والسودان الذي تستحقه الأجيال القادمة لن يبنى بالسلاح. سيُبنى بالعدل والحكمة والإرادة. وتلك هي الرسالة التي حملها كل من فكّر وكتب وناضل من أجل سودان أفضل، من الحكماء الأوائل إلى فلاسفة الحداثة، ومن صحابة النبي الكرام الذين أسسوا دولة المدينة على العدل والشورى، إلى كل سوداني حر يحلم بغد لا تُراق فيه الدماء.