السلام الذي نريد: من وقف الحرب إلى بناء الوطن

هويدا شبو

لم يعد السؤال الذي يشغل السودانيين اليوم هو: متى تضع الحرب أوزارها؟ بل أصبح السؤال الأكثر عمقاً وإلحاحاً: أي سلام نريد؟ وكيف يمكن أن نبنيه؟ ولصالح من سيكون هذا السلام؟

فخبرات الشعوب، كما تسجلها تجارب التاريخ، تؤكد أن توقف صوت الرصاص لا يعني بالضرورة ولادة الاستقرار، وأن السلام الذي يُبنى على أرضية هشة سرعان ما يتحول إلى هدنة مؤقتة تسبق انفجاراً جديداً. وكثيراً ما شهد العالم اتفاقيات وُقِّعت على الورق، لكنها لم تصمد أمام اختبار الواقع، لتُستبدل بدورات جديدة من العنف.

الحرب التي اندلعت في السودان لم تكن مجرد مواجهة عسكرية مع تمرد مسلح، بل كانت انعكاساً درامياً لتراكمات طويلة من الاختلالات البنيوية: ضعف الدولة، وتآكل المؤسسات، وغياب عقد اجتماعي جامع يُنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لقد كشفت هذه الحرب، بما صاحبها من مآسي إنسانية وانتهاكات جسيمة، عن عمق الأزمة التي يعيشها السودان، وعن هشاشة بنية الدولة التي ظلت لسنوات طويلة قائمة في الشكل أكثر منها في الجوهر.

من هنا، فإن أي حديث جاد عن السلام لا يمكن أن يُختزل في وقف إطلاق النار أو إعادة ترتيب القوات على الأرض، بل يجب أن ينطلق نحو أفق أوسع وأعمق: إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، ومعالجة الاختلالات التاريخية بين المركز والأطراف، فضلاً عن مداواة الذاكرة الجمعية التي أنهكتها الحرب.

أولاً: السياق — ما الذي كشفته الحرب؟

قبل الشروع في صياغة رؤية للسلام، يصبح من الضروري التوقف عند ما كشفته الحرب من حقائق صادمة، لأن أي محاولة للعلاج دون تشخيص دقيق ستظل سطحية ومؤقتة.

الحقيقة الأولى أن الدولة السودانية، بمؤسساتها المدنية والعسكرية، لم تتشكل في أي وقت كدولة حديثة مكتملة الأركان، قائمة على عقد اجتماعي واضح، وسيادة قانون راسخة، وتمثيل سياسي عادل. بل ظلت في كثير من الأحيان كيانات هشة تُدار عبر شبكات الولاء والمصالح الضيقة، وتُحسم صراعاتها بمنطق القوة لا بمنطق المؤسسات.

الحقيقة الثانية أن الانقسامات الاجتماعية والسياسية لم تنشأ بفعل الحرب، بل كانت كامنة في عمق المجتمع، تغذيها سنوات من التهميش وسوء الإدارة. وقد جاءت الحرب لتكشف هذه التصدعات وتدفع بها إلى السطح بصورة عنيفة.

أما الحقيقة الثالثة، فتتمثل في أن الحرب اندلعت في ظل انتقال سياسي هش، لم تكتمل فيه شروط الاستقرار، وكأن السودان كان يحاول عبور مرحلة معقدة دون أدوات كافية. وقد أظهرت هذه المرحلة أن إسقاط نظام لا يعني تلقائياً بناء بديل ناضج، ولا يضمن خلو الساحة من صراعات السلطة.

وتبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن المواطن السوداني البسيط، الذي لم يكن طرفاً في القرار، هو من دفع الثمن الأكبر: تهجير قسري، وفقدان للأحبة، وتدهور في سبل العيش، وحياة معلقة بين النزوح واللجوء.

ثانياً: تعريف السلام — ما وراء وقف إطلاق النار

يميل كثيرون إلى اختصار السلام في مجرد غياب الحرب، لكن هذا الفهم يظل قاصراً عن إدراك تعقيد الظاهرة. فالدراسات الحديثة في علم السلام تميز بين مستويات متعددة:

• السلام السلبي: ويتمثل في توقف العنف المباشر وغياب العمليات العسكرية، وهو شرط ضروري لكنه غير كاف.

• السلام الإيجابي: ويتجاوز ذلك إلى بناء مؤسسات عادلة تُعالج أسباب الصراع وتحقق قدراً من العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

•السلام التحويلي: وهو المستوى الأعمق، حيث يتم إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وترميم الثقة، ومعالجة الجراح النفسية والجماعية.

وما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد توقف للقتال، بل مشروع سلام متكامل يصل إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية، ويعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وبين المواطن والدولة.

ثالثاً: مرتكزات فلسفية — ماذا يقول المفكرون؟

يقدم التراث الفكري الإنساني أدوات تحليلية مهمة لفهم شروط قيام الدول واستقرارها، ويمكن استلهام عدد من هذه الأفكار في السياق السوداني.

فقد ربط ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة، بقاء الدول بما أسماه “العصبية”، أي قوة التماسك الاجتماعي التي تجمع الناس في إطار مشترك. وعندما تتآكل هذه العصبية نتيجة الظلم أو الانقسام، تبدأ الدولة في التراجع والانهيار. وهذا الدرس يبدو بالغ الصلة بالحالة السودانية.

أما جان جاك روسو، فقد أكد في نظريته عن “العقد الاجتماعي” أن الشرعية السياسية لا تُستمد من القوة أو من إرادة الحاكم، بل من “الإرادة العامة” التي تعبر عن المصلحة المشتركة للمجتمع. وأي نظام يُقصي فئات واسعة من المجتمع يفقد أساس شرعيته.

في المقابل، يدعو جون راولز إلى تصور العدالة من خلال فكرة “حجاب الجهل”، حيث يُفترض أن الأفراد يصوغون نظامهم السياسي دون معرفة مواقعهم فيه، بما يضمن اختيار قواعد عادلة تحمي الجميع، خاصة الفئات الأكثر ضعفاً.

ولا يمكن إغفال الإطار القيمي الذي يقدمه الفكر الإسلامي، حيث تشكل مفاهيم الشورى والعدل والمصلحة العامة ركائز أساسية لأي نظام سياسي عادل. وهي قيم يمكن أن تُسهم في بناء نموذج سلام متوازن، يقوم على المشاركة والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية.

رابعاً: ذاكرة مثقلة بالألم — كيف نتعامل مع الماضي؟

التحدي الأكبر أمام أي مسار للسلام في السودان هو طبيعة الذاكرة الجماعية المثخنة بالجراح. لقد تراكمت طبقات من الألم: جراح دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق التي طالت لعقود، وجراح ثورة ديسمبر وما رافقها من قمع، ثم جراح الحرب الأخيرة بما تحمله من مشاهد الانتهاكات والتهجير والقتل.

والإشكال الكبير أن كل طرف يحمل روايته الخاصة للألم، ويرى نفسه ضحية الطرف الآخر. وما لم تُعالَج هذه الروايات المتشابكة بصدق ومسؤولية، فإن الحقد المدفون سيجد طريقه إلى الانفجار مجدداً.

هنا يبرز نموذج لجان الحقيقة والمصالحة كمدخل لا غنى عنه. فهذه اللجان لا تهدف إلى إلغاء العدالة، بل إلى توسيع مفهومها ليشمل: الاعتراف بالانتهاكات، والإنصاف للضحايا، والمساءلة في إطار قانوني عادل، وفتح الباب لمصالحة لا تقوم على النسيان بل على الإقرار والتحول.

غير أن ثمة تحذيراً ضرورياً: المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، ولا تعني طي صفحة الانتهاكات الموثقة وكأنها لم تكن. فالسلام الذي يُهاجم فيه الضحايا بالصمت الإجباري هو سلام مرفوض أخلاقياً ومحكوم عليه بالفشل عملياً.

خامساً: معضلة الإقصاء — من يجلس على طاولة السلام؟

من أكثر المعضلات إثارةً للجدل في مسار أي سلام: من يُدعى إليه؟ وهل ثمة من يُستحق الاستبعاد؟

في السودان، تتصادم في هذه المعضلة قناعات مشروعة ومتعارضة: فثمة من يرى أن الإسلاميين وشركاءهم في منظومة نظام الإنقاذ لا يمكن أن يكونوا شركاء في بناء السودان بعد الحرب، نظراً للادعاء أن حقبتهم خلفت جراحاً عميقة في جسد الدولة والمجتمع. وفي المقابل، يرى كثيرون أن بعض القوى التي ادعت ثورية المرحلة الانتقالية ارتبطت بعلاقات مشبوهة مع مليشيا الدعم السريع، أو أسهمت بصمتها وتحالفاتها في إطالة أمد الحرب.

والحقيقة التي يجب مواجهتها بشجاعة: لا يمكن استبعاد أي تيار اجتماعي أو سياسي واسع من عملية السلام دون أن تدفع البلاد ثمناً باهظاً. فالإسلاميون ليسوا مجرد نظام حكم سقط، بل هم تيار اجتماعي له حضوره في كل مدينة وقرية. وقوى الحراك الثوري ليست مجرد وجوه إعلامية، بل هي شريحة واسعة من الشباب والنساء حملت طموحات التغيير.

إن الإدماج لا يعني أبداً غياب المساءلة. يمكن، ويجب، أن يجلس الناس إلى طاولة الحوار وأن تسير في الوقت ذاته مسارات العدالة الجنائية. الإدماج السياسي والمحاسبة القانونية ليسا نقيضين، بل هما وجهان لعملة واحدة تسمى انتقال الحكم.

سادساً: التجارب الدولية — ماذا يقول العالم؟

جنوب أفريقيا: حين اختار المنتصر المصالحة

حين انتهى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1994، كان بإمكان نيلسون مانديلا وحلفائه اختيار طريق الانتقام، وكانت لديهم كل المسوغات الأخلاقية والسياسية لذلك. لكنهم اختاروا طريقاً مختلفاً: لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة الأسقف ديزموند توتو، التي أتاحت للجلادين الإفصاح عن جرائمهم مقابل العفو، وأعطت الضحايا منصة للشهادة وطلب الإنصاف. لم يكن هذا الطريق مثالياً، لكنه جنب البلاد حرباً أهلية كانت ستكون مدمرة.

رواندا: بين العدالة والمصالحة

واجهت رواندا تحدياً استثنائياً: إعادة بناء مجتمع مزقته إبادة جماعية راح ضحيتها ما يقارب ثمانمائة ألف شخص في مائة يوم. أدخلت رواندا نظام «غاتشاتشا» للمحاكم الشعبية المحلية، التي جمعت بين الاعتراف بالجريمة والمساءلة الجماعية والمصالحة المجتمعية. وقد نجحت هذه التجربة، رغم انتقاداتها، في الحفاظ على تماسك اجتماعي حين كان التفتت الكامل هو الخيار الوحيد الظاهر.

كولومبيا: إدماج المسلحين في السياسة

في كولومبيا، خاضت الحكومة مفاوضات طويلة مع حركة «فارك» المسلحة، أسفرت عام 2016 عن اتفاق سلام تاريخي يُدمج المقاتلين في العملية السياسية. وقد اشتمل الاتفاق على آليات إصلاح زراعي وعدالة انتقالية وتمثيل سياسي، في إقرار ضمني بأن الحرب لم تكن مجرد جريمة بل كانت صرخة لمظالم اجتماعية حقيقية.

ما يجمع هذه التجارب هو درس واحد: السلام الناجح لا يُبنى على هزيمة الخصم ومحوه، بل على احتوائه وتحويله من تهديد إلى شريك.

سابعاً: أعمدة السلام السوداني — رؤية بنّاءة

1. الحوار الوطني الشامل — لا إقصاء لأحد

الشرط الأول للسلام الحقيقي هو الشمول. فالتجربة السودانية ذاتها، كما بينتها محطات تاريخية متعددة، تؤكد أن التسويات الكبرى لم تتحقق إلا حين تخلت الأطراف عن منطق الإقصاء. من مصالحة عهد نميري مع خصومه، إلى مفاوضات اتفاقية السلام الشامل مع جون قرنق، كان الدرس واحداً: حين تضيق الخيارات يفتح الحوار أبواباً أغلقتها البنادق.

يجب أن يكون الحوار الوطني محمياً بضمانات إقليمية ودولية، وأن يشمل دون استثناء: القوى السياسية المدنية بكل أطيافها، والحركات المسلحة وممثليها، والإسلاميين والعلمانيين، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي الجهات والأقاليم، والمرأة والشباب كأصحاب حق أصيل لا كضيوف على الطاولة.

2. العدالة الانتقالية — لا سلام بلا إنصاف

السلام الذي يُطلب فيه من الضحايا نسيان انتهاكاتهم هو سلام باطل من أساسه. ومن ثَم فإن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يسير بالتوازي مع مسارات الحوار والبناء المؤسسي. ويشمل ذلك: توثيق الانتهاكات والمجازر الموثقة في دارفور والخرطوم وسواهما، وإنشاء هيئة حقيقة ومصالحة وطنية، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم الكبرى قضائياً في إطار عادل، وضمان الإنصاف المادي والمعنوي للضحايا وذويهم.

3. العقد الاجتماعي الجديد — دولة المواطنة

أعمق جذور الصراع السوداني هي غياب دولة المواطنة: دولة تعامل جميع أبنائها بمساواة بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو جهتهم أو مذهبهم السياسي. وبناء هذه الدولة يستلزم:

– دستوراً توافقياً جديداً يُصاغ بمشاركة حقيقية، ويُقيد الهيمنة العسكرية، ويُرسخ استقلال القضاء، ويُعلن مبدأ المواطنة أساساً للحقوق والواجبات.

– نظام حكم لا مركزياً حقيقياً يوزع السلطة والثروة بين الأقاليم، ويُنهي احتكار المركز لموارد الهامش.

– مؤسسات دولة مستقلة عن العسكر والنخب، تقوم على الكفاءة والنزاهة والمساءلة.

4. إعادة الإعمار والعدالة الاقتصادية

السلام الذي لا يُعالج الفقر والتهميش الاقتصادي هو سلام بلا جذور. فكثير من الحروب السودانية كانت في جوهرها حروب موارد وحروب هامش ضد مركز. ومن ثم فإن أي خطة لإعادة الإعمار يجب أن تضع الأقاليم الأكثر تضرراً في قلب الأولويات، وأن تُعيد التفكير في نموذج توزيع الثروة من النفط والذهب والأرض.

5.إشراك النساء والشباب — ليسوا هامشاً

في كل تجارب السلام الناجحة في العالم، أثبتت الدراسات أن إشراك المرأة في مفاوضات السلام يزيد من احتمالية نجاح الاتفاق واستدامته. والمرأة السودانية أثبتت في ثورة ديسمبر وفي أثناء الحرب أنها ليست فقط ضحية، بل هي فاعلة ومنظمة ومقاومة. وما ينطبق على المرأة ينطبق على الشباب الذي يمثل الغالبية العظمى من السكان، وهو الأكثر تضرراً من الحرب والأكثر طموحاً نحو التغيير.

إشراك هذين المكونين ليس مجاملة أو تمثيلاً ديكورياً، بل ضرورة استراتيجية لأي سلام يريد أن يصمد أمام اختبار الزمن.

ثامناً: الفاعلون الإقليميون والدوليون — دور ووقود

لا يمكن فهم الحرب السودانية بمعزل عن سياقها الإقليمي. فقد تحول السودان إلى ساحة للتنافس الإقليمي بين قوى تتباين مصالحها: دول الجوار الأفريقي، ودول الخليج، والقوى الدولية الكبرى. وما من دليل أوضح على ذلك من تعقيد مسارات التوسط الإقليمية وتداخلها.

غير أن الإقليم يمكن أن يكون وقوداً للحرب أو رافعةً للسلام. والتجارب تقول إن الضغط الإقليمي المتوافق، حين تُوحد القوى الإقليمية جهودها نحو حل لا نحو استمرار النزاع، يمكن أن يُحدث فارقاً حاسماً. وعلى الدول الشريكة في المحيط السوداني: مصر وإثيوبيا وتشاد وكينيا وجنوب السودان، والدول العربية في مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر، أن تُعلن بوضوح أن مصلحتها في استقرار السودان تفوق أي مصالح آنية يمكن أن يوفرها استمرار الصراع.

تاسعاً: التحديات الحقيقية — لا مكان للوهم

ختاماً، من الضروري عدم الوقوع في فخ التفاؤل السهل. فمسار السلام في السودان يواجه تحديات هائلة تستوجب الإقرار الصريح:

– تحدي الثقة: بعد سنوات من الخيانات والاتفاقيات المنقوضة، كيف يثق طرف بآخر على طاولة التفاوض؟ هذه الثقة لن تعود بيوم وليلة، لكنها تبدأ بخطوات تحقق قابلة للتحقق.

– تحدي الأسلحة المنتشرة: الكميات الهائلة من الأسلحة التي تفشت في المجتمعات السودانية تُشكل تهديداً أمنياً بعيد المدى، وأي خطة للسلام يجب أن تتضمن برامج شاملة لنزع السلاح وإعادة الدمج.

– تحدي الاقتصاد المنهك: السودان يدخل مرحلة السلام بعد سنوات من الحصار الاقتصادي ثم الحرب المدمرة. لا سلام بلا إعادة تشغيل الحياة الاقتصادية، وهذا يحتاج إلى موارد ودعم دولي حقيقي.

-تحدي التعافي النفسي والاجتماعي**: مئات الآلاف من الأرامل والأيتام والمهجرين والمصابين، جروح لا تُعالجها مجرد بنود اتفاقية. السلام يحتاج إلى برامج حقيقية للتعافي المجتمعي، وإلا بقيت بذور الحقد تنتظر موسم الجفاف التالي.

السلام الذي يعيش في وجدان الناس

في نهاية المطاف، إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع وثيقة سلام، بل في بناء سلام يعيش في وجدان الناس، وفي مؤسسات الدولة، وفي طريقة إدارة الخلاف وتداول السلطة. وهذا النوع من السلام لا تصنعه النخب وحدها خلف أبواب موصدة، بل يصنعه شعب أدرك أن التنوع قوة لا بلاء، وأن الاختلاف مصدر ثراء لا مدخل للإقصاء.

السودان بلد استثنائي في تعدده وتنوعه: أعراق وثقافات ولغات ومناطق مناخية ومذاهب دينية. وهذا التنوع الذي أُسيء توظيفه كذريعة للحرب يمكن أن يُوظَّف بدلاً من ذلك كثروة وطنية لا نظير لها في المنطقة.

السودان الذي يستحقه أبناؤه ليس سوداناً بلا خلاف، بل سوداناً يُدير خلافَه بالسياسة لا بالسلاح، وبالحوار لا بالاستبعاد، وبالقانون لا بالقوة.

ذلك هو السلام الذي يريده السودانيون

وذلك هو السلام الذي يجب أن يسعى إليه الجميع دون استثناء ودون تأجيل.

Exit mobile version