الرياض تعيد تشكيل الشرق الأوسط

ديفيد هيرست
إن تحولاً تكتونياً يحدث الآن في العالم العربي. ليس له علاقة بالمشاحنات المؤقتة والقابلة للإصلاح بين الأمراء، أو الغنائم الإمبراطورية، أو تحالفات الوكلاء المتنافسة. كما أنه لا صلة له بالبعبعين التقليديين للحاكم العربي السني: إيران والإخوان المسلمون.
لم ينجم هذا التحول عن إحراق تاجر لنفسه بعد مصادرة عربة طعامه في سيدي بوزيد بتونس، ولم تخرج مظاهرات حاشدة في القاهرة تطالب بإسقاط ديكتاتور. ومع ذلك، قد يكون لهذا التحول تداعيات واسعة بقدر ما كان للربيع العربي قبل 15 عاماً.
ما يُشار إليه عادة في الشرق الأوسط بالدول العربية “الحقيقية” – أي تلك الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة – استيقظت على ما يحدث حولها. أدركت السعودية والجزائر بشكل أساسي، ومصر بشكل محتمل، أن خطة السيطرة على نقاط الاختناق الرئيسية في المنطقة من قبل إسرائيل (بشكل صريح) والإمارات العربية المتحدة (بشكل ضمني) تمثل تهديداً لمصالحهم الوطنية.
إن الخطة الإسرائيلية الإماراتية بسيطة: تفتيت الدول العربية التي كانت قوية يوماً ما، والسيطرة على طرق التجارة الرئيسية مثل مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، وزرع قواعد عسكرية في جميع أنحاء المنطقة، وبذلك تضمن سيطرة عسكرية ومالية مربحة لبقية القرن.
سياسة التفتيت
في إسرائيل، كانت هذه الخطة صريحة. إنها الصيغة التي تحاول تل أبيب تطبيقها في سوريا، عبر إنشاء محمية للدروز في الجنوب ومحاولات فعل الشيء نفسه في المناطق الكردية في الشمال. هذه الاستراتيجية معلنة ومنشورة؛ فإسرائيل لا تريد سوريا موحدة. لكن التفتيت هو أيضاً السياسة الكامنة وراء اعتراف تل أبيب بـ “أرض الصومال”، والتي توفر للجيش الإسرائيلي موطئ قدم في القرن الأفريقي.
بالنسبة لأبوظبي، كان التفتيت قد بدأ بالفعل في جميع أنحاء العالم العربي. كان لديها أهداف أخرى، وفي مقدمتها الإسلام السياسي، لكن التفتيت كان سياستها في ليبيا، حيث دعمت الإمارات الجنرال خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني. وكانت هي ذات السياسة في السودان، حيث مول وسلح الإماراتيون قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي). وبالطبع ينكرون ذلك، لكن الحرب الأهلية السودانية لم تكن لتحدث لولا التدخل الإماراتي الضخم.
وكانت هذه سياستهم لعقد من الزمن على الأقل في جنوب اليمن. نمت خطة التفتيت لليمن من خوف الإمارات من سيطرة الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) على الحكومة اليمنية. لكن الإماراتيين وضعوا نصب أعينهم أهدافاً أكبر من سحق الإصلاح. واليوم، لا علاقة لخطة أبوظبي الكبرى بوقف إطلاق النار بين السعودية والحوثيين؛ فكل حملة ضد الإصلاح والحوثيين كانت مجرد غطاء ملائم. كانت الخطة طوال الوقت هي تمويل وتسليح وتنصيب دولة انفصالية في جنوب اليمن، تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن.
أطماع إمبراطورية
إن وجود دولة يمنية جنوبية انفصالية ليس أمراً جديداً، لكن الخطة تم تسريعها من قبل محمد بن زايد، رئيس الإمارات، وكاد أن ينجح في ذلك. كانت سياسة أبوظبي تهدف لجعل المجلس الانتقالي قوياً عسكرياً لدرجة تجعله يعلن نفسه دولة مستقلة تعترف بإسرائيل، وهو ما كان على وشك أن يصبح حقيقة. كل ما كان يحتاجه المجلس الانتقالي هو السيطرة على محافظتين كبيرتين في الشرق: المهرة وحضرموت. تشترك حضرموت في الحدود مع السعودية، وكان ظهور المجلس الانتقالي في عاصمتها المكلا بمثابة جرس الإنذار الذي تحتاجه الرياض.
لقد سقطت الغشاوة عن العيون السعودية. شعروا بأنهم محاصرون، وأنه إذا لم يتحركوا الآن، فقد تكون المملكة نفسها هي الهدف التالي لسياسة التفتيت. السعودية التي أدارت سياستها الخارجية طويلاً خلف الستائر، لجأت إلى السلاح. دعم السعوديون هجوماً مضاداً من قبل القوات اليمنية الموالية للحكومة المعترف بها دولياً لاستعادة حضرموت والمهرة. قُصفت المكلا، وقُتل مقاتلو المجلس الانتقالي وأُجبروا على الانسحاب.
عندما أصبحت إسرائيل بعد ثلاثة أيام أول دولة تعترف رسمياً بـ “أرض الصومال” كدولة ذات سيادة، تأكدت المخاوف السعودية. لم تكن هذه مجرد ضوضاء عارضة في الليل؛ فما كان يحدث في اليمن على جانب، وفي القرن الأفريقي على الجانب الآخر، كان جزءاً من الخطة ذاتها.
انهيار صامت
هكذا يتغير الشرق الأوسط؛ ليس من خلال الصور الملتقطة في المكتب البيضاوي، أو عبر “اتفاقيات أبراهام” التي تبدو ضخمة ولكنها سينيكية (مبنية على سوء الظن) في الحقيقة، بل من خلال الانهيارات المفاجئة والصامتة.
يوم الأربعاء، كان المجلس الانتقالي على وشك الانهيار. اختفى قائده عيدروس الزبيدي بينما كان من المقرر أن ينضم لوفد في الرياض. انتشرت شائعات بأنه فر إلى جبال الضالع، وتم تجريده من عضويته في مجلس القيادة الرئاسي واتهامه بالخيانة. ثم يوم الخميس، قال العميد تركي المالكي، المتحدث باسم التحالف، إن الاستخبارات أظهرت أن الزبيدي غادر عدن في وقت متأخر من 7 يناير بحراً إلى “أرض الصومال”.
لقد كان أسوأ يوم في الذاكرة الحية لأحلام “سبارتا الصغيرة” (الإمارات) للسيطرة على المنطقة. وانطلقت وسائل التواصل الاجتماعي السعودية، الصوت المرخص والمسيطر عليه في المملكة، للتعبير عن ذلك بوصف محمد بن زايد بـ “الشيطان الملعون”.
تغيير كبير في المشهد
لقد تغير كل شيء. لقد أدرك الأشخاص الذين يديرون المملكة أخيراً أن المشاريع الإقليمية لجارتهم تمثل تهديداً لمملكتهم الخاصة – وهذا بالنسبة لأي نخب سعودية حاكمة، هو خط أحمر. وبينما تضمنت الطريقة الإماراتية في العمل وكلاء وانقلابات يمكن إنكارها، يعلم محمد بن زايد أنه لا يستطيع العبث مع هذا الجار. السعودية يقطنها 35 مليون نسمة، بينما يقطن الإمارات 10 ملايين، منهم مليون مواطن فقط. هنا تنتهي القصة.
إن يقظة السعودية هي تطور مرحب به – ليس لأنها تساعد قائمة الشعوب الرازحة تحت الاحتلال الدائم مثل الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين فحسب، بل لأنها قد تكون العلامة الأولى لولاية عربية سنية لا تطالب بالقيادة فحسب، بل تعمل كقائد مستقل. وهذا يقرب دولتين عربيتين، السعودية ومصر، من القوة العسكرية الإقليمية الأخرى، تركيا. ولن تكون تحركات الرياض غير مرحب بها في إيران أيضاً، التي كانت تقول لسنوات إن الاستقرار الإقليمي لا يمكن خلقه إلا من خلال تحالف إقليمي مستقل عن مكائد واشنطن وإسرائيل.
في كسب كل معركة بدؤوها، ولكن في خسارة كل حرب، تجاوزت الولايات المتحدة وإسرائيل الحدود. يعتقد كلا الزعيمين (في واشنطن وتل أبيب) أنهما يستطيعان فعل ما يريدان وقتما يريدان. لقد حان الوقت منذ زمن طويل لكي يخبرهما زعيم عربي أنهما لا يستطيعان ذلك.
نقلا عن ميدل إيست اي



