الذاكرة السودانية: شنـدي من فصيل ثمود إلى نهضة الزراعة الصناعية
Mazin
محمد الشيخ حسين
يُروى عن السيد الحسن الميرغني أبجلابية (رضي الله عنه ونفعنا به)، أن أرض شندي في شمال السودان من امتداد الأرض المباركة التي كانت لفصيل ثمود، وهي أرض الله، قال تعالى (ذروها تأكل في أرض الله). أما الدعاء بين القوسين بعد ذكر اسم السيد الحسن، فقد استحسنه العلامة عبد الله الطيب وله في الأمر قصة وخبر تجدونها في في كتابه (من نافذة القطار).
ونقل العلامة عبد الله الطيب أيضاً عن ود الفكي علي والفكي السيد ود الطاهر رحمهما الله أن فصيل ثمود هرب إلى وادي الهواد وما حوله وتلك أرض لاتزال حفريات الآثار فيها تراوح مكانها.
(1)
غير أن شندي الحالية تبدو مدينة تضج بالحياة المعيشية الصعبة والمشاعر الوطنية الجياشة من كثرة النازحين وأهلها السابقين وأسياد الوجعة من فظائع حرب المتمردين في الخرطوم وضواحيها، وتلك قصص لم تكتب بعد. وقد كانت شندي قبل سنوات قليلة بقيادة معتمدها الاسبق الأستاذ حسن عمر الحويج مثل مدينة حديثة يرقص فيها الورد والزهر مهرجانا للسياحة والتسوق.
(2)
لا غرو في ذلك فشندي كانت إبان القرون الوسطى واحدة من كبريات الأسواق في شمال شرق وغرب أفريقيا، حيث كانت تتقاطع فيها طرق القوافل المتجهة إلى البحر الأحمر بما فيها قوافل الحجيج القادمة من غرب إفريقيا، كما كانت تستقبل القوافل التجارية القادمة من جنوب ووسط السودان الحالي. ومن ممالك الحبشة. ولا يستطيع أحد أن يكون دقيقاً في الوصف مثل الرحالة الإنجليزي جيمس بروس في كتابه (سياحة للكشف عن منابع النيل)، أثناء توقفه في شندي لفترة قصيرة في سنة 1772 م، وهو في طريق عودته من الحبشة، حيث وصفها بـ (المدينة المزدهرة ذات التجارة الرائجة، وسوقها حافلة بالسلع والبضائع، تحيط بها البساتين والحقول الزراعية المروية الواقعة على ضفاف نهر النيل).
(3)
أفاض بروس في الوصف بتأكيد أن (السوق الأسبوعية في شندي تعد الأكبر من نوعها في بلاد النوبة، وتقع على تقاطع طريقين للتجارة، حيث تصل إليها الماشية والخيول والصمغ العربي وسن الفيل والرقيق والتبغ وعسل النحل، البن، وجلود الأغنام وغيرها من السلع من أواسط وجنوب السودان والمنخفضات الغربية للحبشة عبر سنار، ومن منطقة جنوب غرب دارفور وشمال كردفان عبر الصحراء، بينما يصل إليها السكر و القطن الأبيض والنحاس الأصفر من مصر، عبر بربر.
(4)
أما التوابل والبهارات فقد كانت تصل شندي من الهند، وتستورد الأواني الزجاجية والحلوى من أوروبا عبر ميناء سواكن على البحر الأحمر).
من طرائف ما ذكر بروس أن (شندي في ذاك الوقت كانت تحكم بواسطة امرأة اسمها (ستنا).
(5)
حتى لا تأتي النتائج قبل المقدمات، فقد كان ظهور شندي مع بداية استقرار الإنسان القديم على ضفاف نهر النيل خلال مرحلة التحول من الإنسان الحجري إلى حقبة تعلم الزراعة والرعي. وشهدت المنطقة الواقعة حاليا بين فندق الكوثر في شمال المدينة وقلعة شنان في جنوبها استيطاناً بشرياً طوال الأربعة آلاف سنة الماضية. وأسهم وقوع هذه المنطقة بالقرب من النهر وارتفاعها نسبيا عن الأراضي المنخفضة المغمورة بمياه الفيضان المعروفة بـ (الكرو)، في إبعادها عن أخطار الفيضانات وصلاحيتها للزراعة المستمرة وتوافر الحشائش فيها التي تساعد على تربية الحيوان بحيث يشكل ذلك كله الوضع المناسب لنشأة تجمع حضري وتطوره.
(6)
يدفعنا هذا التاريخ الزاهر إلى المبادرة بالهمس في أذن منظومة الصناعات الدفاعية التي بادرت في زمن الحرب بوضع حجر الأساس للصناعات الغذائية في شندي في إطار مشروع لنهضة الزراعة الصناعية ينبغي أن يخصص للزراعة من جهة: تنويع التركيبة المحصولية، توفير خدمات الإرشاد الزراعي ووقاية النباتات، إدخال تقنيات الري الحديثة، تحفيز المزراعين لتركيب البيوت المحمية، تشجيع قيام التعاونيات لحل مشكلة ضيق الرقعة الزراعية، توفير معينات البستنة وزراعة النخيل. وجميعها هذه مهام أساسية لمنظومة صناعية تهدف في النهاية إلى توفير البيئة الملائمة لزيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية.
(7)
يستمد هذا الهمس مشروعيته من أن الحكاية بدأت تحت شعار (يد تعمر وأخرى تحمل السلاح) بعد تدشين منظومة الصناعات الدفاعية (تنمية الصادرات) أكبر مجمع للصناعات التحويلية في محلية شندي، بمشروع ضخم يمتد على مساحة 30 ألف فدان. وتبع المشروع تشييد مخازن مبردة بسعة عشرة آلاف طن دخلت دائرة الإنتاج فعلياً. وستلحق إليها خمسة مصانع جديدة، اكتمل تصنيع ماكيناتها وتم توريدها للموقع، وتتضمن مصنعاً لتجفيف البصل، ومصنعاً للبطاطس المقلية، ومصنعاً لمعجون الطماطم، ومصنعاً لمركبات العصائر ومحطة صادر للفواكه والخضر.
(8)
تشكل هذه المصانع مجتمعةً إضافة نوعية ليس للمنطقة والولاية فحسب؛ بل لصادرات البلاد من الخُصر والفواكه والمنتجات الزراعية فضلاً عن توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
ويعكس هذا المشروع الضخم في عز زمن الحرب دلالة على ثبات الاقتصاد السوداني ورسوخ الدولة السودانية في أحلك الظروف.
(9)
ليس ثمة شك من نجاح الفكرة فقد استطاعت الهند تصدير ما قيمته 6 مليارات دولار من نبات المورينجا وحدها سنويا.
وأظن أن المبلغ أكبر من أي عائدات متوقعة للصادرات السودانية حالياً.