شهدت مدينة سبتة الخاضعة للحكم الإسباني في شمال إفريقيا، خلال الأيام الماضية، أكبر موجة عبور جماعي للمهاجرين انطلاقاً من المغرب منذ عام 2021. ففي غضون أيام قليلة، دخل نحو 49 إلى 60 ألف مهاجر معظمهم من الشباب المغاربة إلى الجيب الإسباني براً وبحراً، في مشهد وُصف بأنه “اجتياح” بشري غير مسبوق، خلّف أكثر من 57 قتيلاً على الأقل، وأثار أزمة إنسانية وسياسية حادة تجاوزت الحدود الإسبانية لتأخذ أبعاداً دولية مع اتهامات مباشرة لإسرائيل والولايات المتحدة بالوقوف وراء تنظيم هذا التدفق الجماعي.
تفاصيل الاجتياح
بدأت الأزمة منتصف الأسبوع الماضي مع دخول مئات المغاربة سباحة إلى سبتة، قبل أن تتحول الأمور إلى “طوفان بشري” يوم الخميس الماضي، حيث تدفق آلاف المهاجرين عبر الشاطئ أو بتسلق السياج الحدودي الذي يبلغ ارتفاعه 20 قدماً.
وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية في تقديرات أولية أن نحو 49 ألف شخص دخلوا إلى سبتة، غير أن وسائل إعلام تحدثت عن أرقام تصل إلى 60 ألف مهاجر. وفي تطور دراماتيكي، عاد معظم هؤلاء المهاجرين طوعاً إلى المغرب خلال 24 ساعة، حيث قدرت السلطات الإسبانية عدد العائدين بنحو 48 ألف شخص.
وبلغت حصيلة الضحايا 57 جثماناً على الأقل جرى انتشالها من الجانب الإسباني للحدود، مع احتمال وجود ضحايا آخرين في الجانب المغربي.
وأوضح ممثل الحكومة الإسبانية في سبتة أن بعض الضحايا لقوا حتفهم غرقاً، بينما سُحق آخرون أثناء محاولتهم تسلق حاجز الأمواج الذي يمتد عليه السياج الحدودي.
وأمام هذا العبور الجماعي غير المسبوق، طلبت السلطات الإسبانية في سبتة تدخل الجيش الإسباني لصد عبور آلاف الأشخاص الحدود دون تصاريح. كما نشرت السلطات المغربية شاحنات مزودة بمدافع مياه عند مداخل سبتة لإبعاد المهاجرين.
مع تفاقم الأزمة، سرعان ما تحولت سبتة إلى مسرح لتوتر دبلوماسي حاد بين إسبانيا وإسرائيل، وسط اتهامات متبادلة وتصريحات نارية.
فقد أثار المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، موجة غضب عارمة عندما كتب على منصة “إكس” قائلاً: “إسبانيا، التي لا تفوت أبداً فرصة لإلقاء المحاضرات على إسرائيل، أعلنت حالة الطوارئ في سبتة بسبب أزمة سياسة الهجرة”، مضيفاً: “ربما قبل أن تستمر في إلقاء المحاضرات علينا، حان الوقت لتشرح للعالم لماذا لا تزال تحتفظ بمستعمرات استعمارية في إفريقيا”.
هذه التصريحات اعتُبرت في إسبانيا استفزازاً صريحاً، ورد عليها وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي سانتياغو مباشرة قائلاً: “حسناً، بدأت الأمور تتضح بشكل كبير”، في إشارة واضحة إلى ما اعتبره تأكيداً على ضلوع إسرائيل في الأزمة.
كما اتهمت المعلقة السياسية الإسبانية كارولينا ألونسو إسرائيل والولايات المتحدة والمغرب بالتنسيق في “هجوم منسق” كرد فعل على زيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الجزائر.
وبرزت اتهامات أوسع حين أشار صحفيون ومحللون إسبان إلى منشور قديم ليارئيف نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعود لعام 2019، حيث ألمح فيه إلى دعم تل أبيب مالياً للحركات الانفصالية في سبتة ومليلية.
وذهب البعض إلى القول إن الأزمة الحالية قد تكون “انتقاماً” من الإدارة الإسبانية بسبب موقفها الداعم للقضية الفلسطينية.
ومع تصاعد الجدل، سارعت القائمة بأعمال السفارة الإسرائيلية في إسبانيا، دانا إيرليخ، إلى النأي بنفسها عن تصريحات دانون، مؤكدة في منشور على “إكس”: “التعليق الذي أدلى به سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة بشأن هذه القضية لا يمثل موقف دولة إسرائيل”.
موقف الحكومة الإسبانية من القضية الفلسطينية
يجدر وضع أزمة سبتة في سياقها الأوسع، إذ تأتي في أعقاب مواقف إسبانية متصاعدة ضد سياسات إسرائيل في غزة ولبنان. ففي يوليو/تموز 2026، أعلنت الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز حظراً شاملاً على الأسلحة والوقود الموجه لإسرائيل، ووسعت نطاق الإجراءات لتشمل منع عبور المواد الدفاعية عبر الأراضي الإسبانية.
وصف سانشيز الأوضاع في غزة بأنها “إبادة جماعية”، قائلاً: “هذا لم يعد دفاعاً، بل إبادة لشعب أعزل”. ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تعليق اتفاقية التعاون مع إسرائيل فوراً.
كما اعترفت إسبانيا رسمياً بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024 إلى جانب أيرلندا والنرويج، وأعلن سانشيز استعداد بلاده لإرسال قوات لحفظ السلام في فلسطين عندما تسنح الفرصة.
وفي خطوة لافتة، دعت الحكومة الإسبانية الاتحاد الأوروبي إلى حظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، وقدمت مساهمات إضافية بقيمة 15 مليون يورو للسلطة الفلسطينية في عام 2026، بعد أن كانت رابع أكبر مساهم في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
تداعيات دولية
لم تقتصر التداعيات على التوتر الإسباني-الإسرائيلي، بل امتدت إلى الساحة الأوروبية. فقد أعلنت إيطاليا تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا اعتباراً من يوم السبت لمدة شهر، خشية تدفق المهاجرين إلى باقي الدول الأوروبية. كما استدعت وزارة الخارجية الإسبانية السفير الإيطالي لتقديم احتجاج رسمي على هذه التصريحات.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى ضرورة احترام حقوق المهاجرين الذين دخلوا إلى سبتة، بينما شبّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدفق البشري على سبتة بـ”الاجتياح”.
وفي مشهد يعكس تداخل ملفات الهجرة والسياسة الدولية، تحولت سبتة إلى ساحة صراع دبلوماسي بين إسبانيا وإسرائيل، مع اتهامات متبادلة وتصعيد لفظي، في وقت تواصل فيه مدريد تشديد مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، الأمر الذي يرى فيه مراقبون خلفية رئيسية للأزمة الحالية.