محمد الشيخ حسين
لو دخلت مكتبة البروفسير موسى عبد الله حامد في مدينة النيل بأم درمان، تشعر بالحيرة هل هذه عيادة طبيب، أم مكتبة طه حسين، أم فصل كيمياء، أم استوديو شاعر إنجليزي؟. لا ترهق نفسك بالبحث عن إجابة فالبروفسير موسى الذي يغازل الآن التسعين من عمره المديد لا يعرف التخصص، يشخص المريض ويقدم له الروشتة، ثم يكتب عنه قصيدة.
يترجم القصيدة للغة الإنجليزية، ثم يربطها بتاريخ مدرسة أمدرمان الأميرية، ثم يقول لك: على فكرة، هذا كله له علاقة بالإعلام الإسلامي.
نحن هنا نتابع تسعينية البروفسير موسى عبد الله حامد مع رباعية الطبيب والشاعر والمؤلف والمترجم في ثمان فقرات خاتمة وإلى التفاصيل
(1)
ينتمي البروفسير موسى إلى جيل الرواد في الطب السوداني، ذُكر ضمن قائمة الأطباء الأوائل المشهود لهم بالكفاءة مثل: د. عبد الحليم محمد، داؤود مصطفى، وعبد السلام صالح المغربي، وغيرهم. أما الصفة الغالبة عليه أنه ليس فقط (أساة للجسم، بل أيضاً من النُّطس المداوين للنفس).
إذن نحن في حضرة أديب متمكن باتفاق النقاد، بل واقع الحال يفيد البروفسير موسى الطبيب: شاعر، كاتب، وباحث له عدة مؤلفات طبعت وأخرى تتأهب لمنازلة مصاعب الطباعة والنشر والتوزيع في السودان.
باختصار: لو أردت أن تكتب عنه، لا تحاول أن تفهمه، حاول أن تستفيد من قربك منه فهو سراديب علم، وليس شارعاً واحداً.
(2)
الخيط المشترك في كل كتب البروفسير موسى عبد الله حامد، أنه يكتب بعقل طبيب من جهة (تشخيص وتحليل) وقلب أديب من حيث (اللغة السلسة والذاكرة القوية)، وكل كتبه تدور حول ثلاثة محاور: أم درمان، الإسلام، السودان. هو الوحيد الذي يستطيع أن يبدأ محاضرة عن حقن (البنسلين)، وينهيها عن استقلال السودان بين الواقعية والرومانسية، وتخرج أنت مقتنعاً أن الموضوعين موضوعا واحدا.
يعاني أهل السودان من أزمة تخصص، والبروفيسور موسى يواجه حالة عبقرية. لا يستطيع حيالها أن يكون تخصصاً واحداً. لو كان في زمن ابن سينا، لكان ابن سينا. لكنه جاء في زمن التخصصات، فأصبح (الزول الشامل) الذي يربك كل من يحاول أن يكتب سيرته في سطر واحد.
(3)
في أشهر كتب البروفسير موسى صدى السنين وسراديب الذكريات في أمدرمان الأميرية نطالع سيرة ذاتية وذاكرة مكانية لأمدرمان القديمة: مدارسها، أساتذتها، شوارعها، وطلاب الأميرية. وقيل إنه كُتب بحيوية (ولد في الطاشرات)).
أما إضافته الحقيقية فهو حلقة وصل بين جيلين، جيل أمدرمان القديمة التي عاشها، وجيل الجامعات الحديثة التي درّس فيها.
ولولا كتابات البروفسير موسى لضاعت تفاصيل كثيرة عن أمدرمان الأميرية.
(4)
رفد البروفسير موسى المكتبة السودانية بكتب فكرية أخرى مثل (نظام الإعلام الإسلامي) والكتاب دراسة تأصيلية يدرّس كمنهج في جامعة القرآن الكريم. ويبني نظرية للإعلام من منظور إسلامي مقابل النظريات الغربية، ويتكلم عن أخلاقيات الإعلام، الرأي العام، وكالات الأنباء. وفي كتابه الثاني (مظاهر الرحمة في شخصية الرسول) يركز على الجانب الإنساني والرحمة وتعامل النبي الكريم مع: الأطفال، النساء، الأعداء، والحيوان. بأسلوب دعوي مبسط.. ويحتوي كتابه المعنون (الصراع الإسلامي الصليبي)..تحليل تاريخي للصراع بين العالم الإسلامي والغرب من الحروب الصليبية القديمة حتى الحاضر. يرى أن الصراع فكري وثقافي أكثر منه عسكري.
(5)
في النسخة المعدلة من الكتاب (الصراع الإسلامي الصليبي دعوة للجوار والحوار) يطرح فيه حل “الحوار والجوار” بدل الصدام ويصنف في كتابه (أعداء الأمة الإسلامية في العصر الحديث)، أعداء الأمة: التنصير، الاستشراق، الاستعمار، الصهيونية، والعلمانية المتطرفة. ويشرح في كتاب فكري تحذيري بعنوان.(التنصير – الاستشراق – الاستعمار والصهيونية العالمية) عمل هذه الحركات الأربعة مع بعض كمنظومة واحدة ضد العالم الإسلامي، مع أمثلة من السودان وأفريقيا.
وفي ذات السياق يقدم في كتابه (التبشير النصراني) دراسة متخصصة عن أساليب التبشير المسيحي في أفريقيا والسودان بالتركيز على: طرق التمويل، المدارس، والمستشفيات التبشيرية.
من مؤلفات البروفسير موسى ( أقوال العلماء الثقات عن ختان البنات)، وهذا كتاب فقهي يجمع آراء العلماء حول ختان الإناث، بين المؤيد والمعارض، من منظور إسلامي طبي.
(6)
لعل ولع البروفسير موسى بالتاريخ دفعه إلى تأليف كتاب (استقلال السودان بين الواقعية والرومانسية)، ينتقد الرواية الرومانسية للاستقلال ويقدم قراءة واقعية لدور المهدية والاستعمار والأحزاب.
وقد لا يسع المجال للخوض في تفاصيل مؤلفات البروفسير موسى وما صدر منها ونشر يتجاوز العشرين عنوانا، ولكن الوقت قد حان لكي تهتم حرمه السيدة الفضلى الأستاذة أمينة عبد الرحمن المهدي، وهي فنانة مبدعة صممت أكثر من غلاف لهذا الكتب ، بتجميع هذه المؤلفات وتصنيفها وإعادة تبوبيها لكي تصدر الأعمال الكاملة للبروفسير موسى عبد الله حامد، وهي جديرة بذلك، إضافة إلى تخصصها في علم النفس، فإن قدراتها الفنية الراقية وثقافتها الواسعة فهي كريمة الإمام عبد الرحمن المهدي مؤسس المهدية الثانية وسبطة عبد الله ود جاد الله (كسار قلم ماكميك)
(7)
تتسع اهتمامات البروفسير موسى بالترجمة وله فيها فتوحات كثيرة تستحق أن تبرز لوحدها. ولعل أبرزها أنه أول من نرجم اللغة العربية أعمال بوشكين. وكان أخرها كتاب بعنوان ( الثورة المهدية) بقلم روبرت ن. روسي وهو رائد في الجيش الأمريكي. ويحتوي الكتاب المكون من 200 صفحة من القطع الصغيرة على رسالة مقدمة إلى قسم القيادة وكلية هيئة الأركان في جيش الولايات المتحدة في بعض المتطلبات لنيل درجة الماجستير في الفنون والعلوم العسكرية. والكتاب جدير بالقراءة والاقتناء. والكتاب يتناول إجمالاً عبقرية المهدي العسكرية، وسنعود إليه تفصيلا قريبا. على أن أهم ترجمات البروفسيور موسى ترجمته لراتب الإمام المهدي من اللغة العربية إلى الإنجليزية.
(8)
إذا جال في الذهن سؤال فحواه ماذا أضاف البروفسير موسى عبد الله حامد للمكتبة السودانية؟. قد تصعب الإجابة عن السؤال وربما استنكره البعض من (ناس لا لا)، لكن إنصافا نقرر أن البروفسير قدم ثلاث إضافات هي: أولا/ توثيق الذاكرة الشفهية لمدينة أمدرمان، لأنه أول من وضع كتابا يوثق حياة الناس العاديين، ففي أمدرمان الأميرية تناول: المدرسة، الطالب، الأستاذ، الشارع. بل أنه كتابه (صدى السنين) هو أول أرشيف أدبي حقيقي لأمدرمان كمدينة تضج بالبشر، وليس كعاصمة سياسية فقط. وسر الإبداع هنا أن البروفسير موسى حول الذاكرة الشخصية لتاريخ اجتماعي. ثانيا/ تأصيل الإعلام الإسلامي كمنهج سوداني، فقبل كتابه (نظام الإعلام الإسلامي دراسة تأصيلية)، كان الإعلام يُدرس في السودان بالنظريات الغربية فقط. هو أول من كتب نظرية سودانية إسلامية للإعلام تُدرس كمنهج جامعي في جامعة القرآن الكريم. حتى لو اختلفت مع فكرته، فهو من فتح هذا الباب الجديد؟ ثالثا/ أكد نموذج الطبيب الموسوعي، وربما أعاد نموذجي ابن سينا والرازي، أي الطبيب الذي هو أيضاً أديب وشاعر ومؤرخ ومترجم. وهذه الإضافة ليست في كتاب معين، بل في إثبات أن المثقف السوداني ممكن يكون بحر من أي جانب أتيته نهلت منه.
خاتمة:
حصاد القول إن البروفسير موسى عبد الله حامد قد نال جائزة مركز العز بن عبد السلام التكريمية الخامسة للموسم الثقافي 1442 – 1443 هـ الموافق 2020 – 2022 م.. وجاء في حيثيات منح الجائزة أن (أمضى أ.د موسى عبد الله حامد ما يزيد على ستة عقود خادما للفكر والثقافة في السوداني من منظور منفرد صاهراً فيه الثقافات الغربية والروسية وشيئا من اليابانية. وساعده في ذلك بيئته الأمدرمانية الجامعة للأشتات السودانية المتنوعة).