رأي

الدولار يهبط… لكن المعركة الاقتصادية الحقيقية تبدأ الآن

مهند عوض محمود

عندما تجاوز الدولار حاجز الخمسة آلاف جنيه، كتبت أن الأزمة لم تكن أزمة مضاربين أو تجار عملة، وإنما أزمة إنتاج، وصادرات، ونقد أجنبي، وأن أي انخفاض في سعر الصرف لا يستند إلى إصلاحات هيكلية سيظل مؤقتاً مهما بلغت قوة التدخلات الحكومية.
واليوم، وبعد الإجراءات التي اتخذها بنك السودان المركزي، والنتائج التي أعلنها بشأن ضخ نحو (400) مليون درهم عبر الجهاز المصرفي، وتشديد الرقابة على الاستيراد، وتنظيم تجارة الذهب، ودخول الحكومة إلى سوق استيراد الوقود، لا بد من الاعتراف بأن هذه السياسات نجحت في تحقيق هدف مهم، وهو كسر موجة الارتفاع الحادة وإعادة قدر من الثقة إلى سوق النقد.

وهذا نجاح ينبغي المحافظة عليه ؛ لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بما حدث هذا الأسبوع، وإنما بقدرة الاقتصاد على المحافظة عليه خلال الأشهر والسنوات القادمة.
فالسؤال لم يعد: لماذا انخفض الدولار؟
السؤال الذي ينبغي أن يشغل رئيس الوزراء، ومحافظ بنك السودان، ووزراء القطاع الاقتصادي هو: هل يستطيع السودان المحافظة على هذا الانخفاض عندما تبدأ المرحلة الأصعب؟

في تقديري أن ما تحقق هو نجاح في إدارة سوق النقد، لكنه ليس نهاية الأزمة، لأن الأسباب الهيكلية التي أوصلت الدولار إلى تلك المستويات ما زالت قائمة، بل إن السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة ستكون الأكثر استهلاكاً للنقد الأجنبي منذ اندلاع الحرب.
فإعادة إعمار الجسور، ومحطات الكهرباء، والطرق، والموانئ، والمطارات، ومحطات المياه، والمستشفيات، والمدارس، ستحتاج إلى مليارات الدولارات. والكهرباء وحدها تمثل تحدياً هائلاً، إذ ما يزال العجز في الإمداد يتجاوز 70%، وإعادة تأهيل هذا القطاع تتطلب استيراد محولات، وأبراج، وكوابل، وقواطع، ومولدات، وإسبيرات، وجميعها تُسدد قيمتها بالدولار.
بمعنى آخر، فإن أكبر موجة طلب على النقد الأجنبي لم تبدأ بعد.

وهنا تبرز ملاحظة استراتيجية في غاية الأهمية.
لقد انتقلت الدولة خلال أسابيع قليلة من دور المنظم للسوق إلى دور اللاعب الأكبر فيه.
فهي اليوم تشتري الذهب، وتضخ العملات الأجنبية، وتدخل سوق استيراد الوقود، وتنظم حركة الاستيراد، وتحارب السوق الموازي، وتقود السياسة النقدية والتجارية في آنٍ واحد.
وربما كان هذا التحول ضرورياً في ظروف الحرب، لكنه في الوقت نفسه ينقل جزءاً كبيراً من المخاطر من القطاع الخاص إلى الدولة.
فإذا ارتفعت أسعار النفط العالمية، أو زادت فاتورة إعادة الإعمار، أو تراجعت حصائل الصادرات، فإن المالية العامة ستكون أول من يتحمل هذه الضغوط.
ومن هنا فإن نجاح هذه السياسة لن يقاس بقدرتها على خفض الدولار اليوم، وإنما بقدرتها على الاستمرار دون أن تتحول إلى عبء جديد على الخزانة العامة.
وفي ملف الذهب، تبدو السياسة الجديدة أكثر عمقاً من مجرد مكافحة التهريب، فالذهب أصبح اليوم محور السياسة النقدية والاقتصادية معاً.
ومن المتوقع دخول ثلاث مصافٍ جديدة للذهب إلى دائرة الإنتاج خلال الأسابيع المقبلة، وهو تطور إذا اكتمل فسيشكل نقطة تحول حقيقية في قطاع التعدين. فالدول التي تكتفي بتصدير الذهب الخام تبيع مادة أولية، بينما الدول التي تقوم بتكريره وفق المواصفات العالمية وتبني حوله صناعات وخدمات مالية ولوجستية تستحوذ على القيمة المضافة، وتحقق عائداً أعلى من كل أوقية، وتخلق فرص عمل جديدة، وتعزز حصائلها من النقد الأجنبي.

وإذا نجح السودان في الانتقال تدريجياً من تصدير الذهب الخام إلى تصدير الذهب المكرر، فسيكون ذلك واحداً من أهم التحولات الاقتصادية، لأن القيمة المضافة هي التي تصنع الثروة الحقيقية، لا مجرد استخراج الموارد.
لكن في المقابل، تظل هناك نقطة تحتاج إلى مراجعة دقيقة.
فإذا أصبح بنك السودان هو المشتري الرئيسي للذهب، ثم قامت شركات الصادر بشرائه لإعادة تصديره، فإننا نكون قد أضفنا حلقة جديدة إلى سلسلة التداول.
وكل حلقة إضافية تعني تكلفة تمويل، وإجراءات إضافية، ورأس مال عامل أكبر، وزمناً أطول لدورة التجارة.
وهنا يبرز سؤال اقتصادي مشروع:
هل تمت دراسة أثر هذه الحلقة الجديدة على تكلفة الصادر وتنافسية الذهب السوداني في الأسواق العالمية؟
فالهدف ينبغي ألا يكون فقط إحكام السيطرة على الذهب، وإنما تعظيم العائد منه بأقل تكلفة ممكنة، لأن أي زيادة غير مدروسة في تكلفة الصادر قد تقلل من هامش المصدر، وتضعف القدرة التنافسية، وتفتح المجال مرة أخرى أمام القنوات غير الرسمية.

أما في ملف الوقود، فإن دخول الحكومة إلى الاستيراد المباشر يفتح في المقابل أسئلة مالية تستحق الإجابة.
فإذا كانت وزارة المالية تحصل رسوماً معتبرة على واردات الوقود، فكيف ستعوض هذه الإيرادات إذا أصبحت الحكومة هي المستورد؟
وهل ستفرض هذه الرسوم على نفسها؟
وإذا لم تفعل، فهل تم احتساب هذا الأثر في الموازنة العامة؟
ثم يبقى السؤال الأكبر:
هل سيؤدي هذا التدخل إلى خفض تكلفة الوقود فعلاً؟
لأن الوقود ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل هو أهم مدخل إنتاج في الاقتصاد السوداني.
فكل انخفاض في تكلفة الوقود ينعكس مباشرة على تكلفة الزراعة، والنقل، والصناعة، والتعدين، وبالتالي على القدرة التنافسية للصادرات السودانية.
ولهذا فإن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب ألا تكون فقط توفير الوقود، وإنما توجيه الوقود للإنتاج.
فكل دولار يُنفق على وقود الموسم الزراعي يمكن أن يعود بأضعافه من حصائل الصادرات، بينما كل دولار يُنفق على الاستهلاك ينتهي أثره بمجرد احتراق الوقود.
ومن هنا فإن الخطوة التالية بعد استقرار سوق النقد يجب أن تكون التوسع في تمويل الزراعة، مع ضمان توفير الوقود ومدخلات الإنتاج في التوقيت المناسب، لأن كل فدان إضافي يدخل دائرة الإنتاج يعني صادرات إضافية، وضغطاً أقل على سعر الصرف.

وبالتوازي مع ذلك، لا بد من مراجعة الرسوم والجبايات التي ما زالت ترفع تكلفة الصادرات السودانية وتفقدها جزءاً من قدرتها التنافسية، لأن المصدر الحقيقي لاستقرار سعر الصرف ليس التدخل اليومي في سوق العملات، وإنما زيادة حصائل الصادرات.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة بناء دور البنوك التجارية، ليس باعتبارها مجرد منافذ لتوزيع النقد الأجنبي، وإنما مؤسسات تمول الإنتاج. فالبنوك يجب أن تكون شريكاً في تمويل الزراعة، والصناعة، والتعدين، والصادرات، لأن أي سياسة نقدية، مهما كانت ناجحة، ستظل محدودة الأثر إذا لم تجد جهازاً مصرفياً قوياً يحولها إلى نشاط اقتصادي حقيقي.

والكهرباء بدورها لم تعد قضية خدمية، بل أصبحت قضية اقتصادية ونقدية بامتياز. فلا صناعة بلا كهرباء، ولا قيمة مضافة بلا كهرباء، ولا صادرات صناعية بلا كهرباء. ولذلك فإن الاستثمار في الكهرباء ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل استثمار مباشر في زيادة الإنتاج وزيادة حصائل النقد الأجنبي.
لقد أثبتت الأسابيع الماضية أن الدولة قادرة على التدخل عندما تتوافر الإرادة السياسية، وتتناسق السياسات النقدية والمالية والتجارية.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.
فالاقتصاد لا يقاس بسعر الدولار اليوم، وإنما بقدرته على إنتاج الدولار غداً.
وإذا تحول انخفاض الدولار إلى فرصة للتوسع في تمويل الزراعة، وتأمين الوقود للإنتاج، وتشغيل مصافي الذهب الجديدة، وإزالة الجبايات التي تعوق الصادرات، وإصلاح قطاع الكهرباء، وتعظيم القيمة المضافة للذهب، فإن السودان سيكون قد بدأ فعلاً الانتقال من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد صناعة الثروة.
أما إذا توقف الإصلاح عند حدود التدخل في سوق النقد، فإن السوق سيهدأ اليوم، لكنه سيعود غداً ليطالب بدولارات أكثر مما يستطيع الاقتصاد إنتاجه، خاصة مع اتساع فاتورة إعادة الإعمار.

لقد نجحت الحكومة وبنك السودان في كسب جولة مهمة في معركة سوق النقد، وهذا نجاح يستحق التقدير والبناء عليه.
لكن استقرار سعر الصرف لن يصنعه البنك المركزي وحده، ولن تحققه القرارات الإدارية مهما بلغت قوتها.
فخفض الدولار قرار… أما تثبيت انخفاضه فهو مشروع دولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى