عادل الرفاعي أبوالحسن
قد تبدو الحروب في ظاهرها مأساة لا تحمل إلا الدمار والخسائر، لكنها في تاريخ الأمم قد تكون أحيانًا لحظة مراجعة كبرى، تكشف مواطن الخلل، وتدفع الشعوب والدول إلى إعادة النظر في المسار الذي سارت عليه. فالأمم التي تنهض بعد الأزمات الكبرى ليست فقط تلك التي تعيد بناء ما تهدم، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة لمواجهة جذور مشكلاتها، وإغلاق الملفات التي ظلت تؤجلها لعقود.
ومن أكبر التحديات التي واجهها السودان خلال مراحل طويلة هي ثقافة ترحيل الأزمات. فقد اعتدنا التعامل مع المشكلات بالحلول المؤقتة، وإدارة النتائج بدل معالجة الأسباب، حتى تراكمت القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية، وأصبحت تنتقل من مرحلة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس وجود مشكلة، فكل الدول تواجه المشكلات، وإنما الخطر الحقيقي هو أن تصبح المشكلة جزءًا من النظام العام، وأن يتعايش المجتمع معها حتى تبدو وكأنها أمر طبيعي.
ولعل الدولار الجمركي يمثل نموذجًا واضحًا لهذه الحالة. فكيف يمكن لدولة واحدة أن يكون لديها أكثر من سعر للدولار؟ وكيف يستقيم أن يكون هناك سعر في المعاملات الجمركية وسعر آخر في السوق؟ إن مجرد استمرار هذا الوضع يمثل اعترافًا ضمنيًا بوجود واقعين اقتصاديين داخل الدولة الواحدة.
والأمر لا يقف عند الدولار فقط، بل امتد إلى حياة المواطن اليومية، حتى أصبح السؤال متداولًا: هل الحساب بالجنيه القديم أم بالجنيه الجديد؟ وهذا التعبير الشعبي، رغم بساطته، يكشف حجم الارتباك الذي أحدثته ازدواجية المفاهيم والمرجعيات.
الدولة التي تريد النهوض لا يمكن أن تعمل بأكثر من لغة، ولا بأكثر من معيار. فوحدة الدولة تبدأ من وحدة المرجعية؛ سعر واحد، مفهوم واحد، إجراء واحد، وقاعدة واضحة يعرفها المواطن والمستثمر والمؤسسة. أما تعدد المرجعيات فإنه يضعف الثقة، ويرفع تكلفة التعامل، ويفتح أبوابًا واسعة للفوضى والفساد.
لقد عانى السودان طويلًا من التركيز على معالجة الأزمات الطارئة، بينما بقيت القضايا الأساسية تنتظر. وأذكر أننا كنا نتابع في سنوات سابقة أخبار عودة وزير المالية من اجتماعات نادي باريس، وكان نجاح إعادة جدولة الديون يُقدم باعتباره إنجازًا كبيرًا، بينما بقيت جذور المشكلة الاقتصادية قائمة، حتى عادت الأزمات بأشكال مختلفة.
وهنا لا تكمن المشكلة في حكومة بعينها أو مرحلة سياسية محددة، وإنما في نمط متكرر من التفكير والإدارة؛ نمط يقوم على تأجيل الاستحقاقات الصعبة، وتحميل الأجيال القادمة تكلفة القرارات التي لم تُتخذ في وقتها.
واليوم، وبعد ما مر به السودان، فإن المسؤولية التاريخية تفرض اغتنام هذه اللحظة لإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة. فهذه ليست لحظة لإعادة إنتاج الماضي، بل فرصة لمراجعته وتصحيح مساره.
المطلوب هو مواجهة كل التشوهات المتراكمة منذ الاستقلال، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو إدارية، ووضعها أمام طاولة واحدة، بعقلية الإصلاح الشامل لا المعالجة الجزئية. فالدول لا تنهض بإخفاء مشكلاتها، وإنما بمواجهتها.
إن توحيد سعر الصرف، وإنهاء الازدواجية في السياسات والإجراءات، ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو خطوة نحو استعادة هيبة الدولة ووحدة قرارها. فالدولة القوية هي التي تقول الشيء نفسه لكل مواطنيها، وتطبق القاعدة نفسها على الجميع.
وتقع على عاتق الإدارة الحالية مسؤولية لا تتكرر كثيرًا؛ مسؤولية تاريخية ووطنية وأخلاقية أمام هذا الجيل والأجيال القادمة. فالقرارات الكبرى تحتاج إلى إرادة يقينية، وإلى شجاعة سياسية تدرك أن كلفة الإصلاح اليوم أقل بكثير من كلفة استمرار الأزمة غدًا.
كما أن الشعب السوداني يجب أن يكون شريكًا في هذه المرحلة، لا مجرد متلقٍ للقرارات. فالمصارحة، وإشراك المجتمع، وحشد الطاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، هي الطريق لبناء توافق وطني حول مشروع إنقاذ حقيقي.
إن السودان يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهله للنهوض، لكن البداية تكون بإزالة العوائق التي تعطل حركته. فالأمم لا تبني مستقبلها وهي تحمل أزمات الماضي معها.
الدول لا تنهض بكثرة الحلول المؤقتة، وإنما بامتلاك رؤية واضحة وقرار شجاع. والدولة التي تريد أن تصنع مستقبلًا واحدًا، لا يجوز أن تستمر في صناعة أكثر من واقع.
فهل نحن فاعلون؟