سليمان العقيلي
ما حدث في الضالع لم يكن مجرد غارة جوية عابرة، بل جزء من معركة دفاع استباقي خاضتها قوات التحالف بالتفاهم مع الشرعية اليمنية لتحييد مخازن سلاح غير شرعية كانت تدفع البلاد نحو تفجير شامل، في ظل حالة طوارئ معلنة دستوريّاً لمدة 90 يوماً لمواجهة التمرد العسكري والانقسام الداخلي.
هذا الإجراء لا يمكن اختزاله في كونه “تصعيداً داخلياً” لأن طبيعة السلاح ومصدره وطريقة انتشاره تشير بوضوح إلى مشروع إقليمي منظم لإعادة إنتاج الفوضى جنوب الجزيرة العربية وعلى ممرات التجارة في باب المندب والبحر الأحمر.
أولاً: الشرعية القانونية للضربة
الأسلحة التي جرى استهدافها ليست جزءاً من ترسانة جيش نظامي، بل شحنات مهربة إلى تشكيلات مسلحة خارجة عن إطار الدولة وتمردت عليها، في انتهاك صريح لقرار مجلس الأمن 2216 الذي يحظر توريد السلاح لأي جماعات تقوض شرعية الحكومة المعترف بها دولياً.
من منظور القانون الدولي، تملك الحكومة الشرعية حقاً أصيلاً في تفكيك أي بنية تسليحية غير نظامية تسعى لفرض واقع بالقوة، خصوصاً حين تتوافر ثلاثة معايير:
- نية عدوانية مؤكدة اظهرتها التحركات العسكرية السرية وتوزيع السلاح داخل مدينة مكتظة كعدن.
- قدرة تنفيذية حقيقية عكستها نوعية وكثافة الأسلحة والمدرعات.
- خطر وشيك ومخطط في سياق تصعيد مبرمج لا مجرد احتمال.
بعد اكتمال هذه العناصر، تنتقل الضربة من خانة “الخيار السياسي” إلى مستوى الواجب القانوني لحماية كيان الدولة ومنع إسقاطها بالقوة.
ثانياً: حالة الطوارئ وتوسّع صلاحيات الدفاع
إعلان الطوارئ لمدة 90 يوماً لم يكن خطوة رمزية، بل تأسيساً لإطار قانوني يوسع صلاحيات الحكومة في مواجهة التمرد والتهديدات الممنهجة للأمن القومي، مانحاً الدولة حق:
- تعليق بعض الإجراءات المدنية لمصلحة سرعة الاستجابة الأمنية والعسكرية.
- اتخاذ إجراءات استباقية دون انتظار وقوع الكارثة.
- إلزام التشكيلات العسكرية بالتنسيق مع التحالف والانضواء تحت قيادة الشرعية.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “ضبط النفس” تجاه مخازن سلاح غير شرعي منفصلاً عن الواقع، وأقرب إلى التوظيف الدعائي منه إلى دعوة للسلم.
ثالثاً: البعد الأمني – من “خلاف محلي” إلى مشروع تفجير شامل
السلاح المستهدف لم يكن دفاعياً عن أحياء، بل جزءاً من مشروع عسكري منظم أستُخدم في:
- استهداف الجيش الوطني وتقويض صورته كسلطة شرعية وحيدة.
- شن حملات تضليل لتصويره كقوة “مليشياوية” تبرر تمزيقه.
- تصعيد الموقف باجتياح المليشيا حضرموت والمهرة، ما دفع الرئاسة اليمنية لإجراءات عاجلة وإعادة انتشار بدعم سعودي مباشر.
توزيع هذه الأسلحة داخل عدن كان يعني تحويل العاصمة المؤقتة إلى ساحة اقتتال، ما يجعل الصمت تواطؤاً، والتأجيل مخاطرة تمس حياة المدنيين ومستقبل الدولة اليمنية.
رابعاً: صيانة العمق الاستراتيجي
في قراءة الرياض المسألة قد تتجاوز “الخلاف اليمني – اليمني”، فتهريب السلاح إلى كيانات جنوبية قرب مناطق حساسة يخلق بيئات رخوة تهدد العمق السعودي من خلال شبكات تهريب عابرة للحدود. او خلق ازمات حدودية تستنزف المملكة.
ولا يلزم القانون الدولي أي دولة بانتظار انتقال الخطر إلى أراضيها كي تتحرك بل يمنحها حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة متى ما كان التهديد :
- مباشراً قابلاً للتحول إلى هجمات حدودية.
- منظماً تموله أطراف إقليمية معروفة.
- عابراً للحدود يتقاطع مع مسارات تهريب وفوضى أخرى.
لذا فإن الدفاع الاستباقي خارج الحدود يصبح جزءاً من منظومة الحماية المشروعة، لا “تدخلاً في شأن داخلي”.
خامساً: باب المندب… عقدة الجغرافيا ومركز الرهانات
لا يمكن فصل ما يجري جنوب اليمن عن موقع مضيق باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر. هذا المضيق يمثل شرياناً حيوياً يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والتجارة بين آسيا وأوروبا.
أي مشروع لتجزئة اليمن وخلق كيان هش متعايش مع الملشنة والفوضى على بوابة هذا الممر الحيوي يعني:
- منصة تهديد إضافية للأمن القومي العربي من المحور الصهيوني.
- تعريض أمن الطاقة لابتزاز دائم.
- اتاحة الفرصة لمحور الفوضى للضغط على مشاريع التنمية والاستقرار على سواحل البحر الأحمر (رؤية السعودية 2030).
من هذا المنظور، يصبح منع تشكل هذا الكيان أو تسلحه المليشياوي خطاً أحمراً إستراتيجياً لدول الإقليم.
الحقيقة أن الضربة كانت دفاعية استباقية استهدفت تهديداً حقيقياً في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع في اليمن وباب المندب. والسؤال الحقيقي ليس عن الضربة بل عن السلاح ذاته: من موّله؟ من هرّبه؟ ولأي معركة خُزّن؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تكشف مشروع الفوضى وتفضح اهدافه وتعري من يتستر عليه.
