د. عمار أبكر عبدالله
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، لم يعد ملف المياه مجرد قضية فنية أو خدمية، بل أصبح أحد أهم ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية والتنمية المستدامة. فالعالم يشهد تزايداً ملحوظاً في الضغوط على الموارد المائية نتيجة التغير المناخي، والنمو السكاني، والتوسع الحضري، والتنافس الجيوسياسي على الموارد العابرة للحدود.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن أكثر من 2.2 مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى خدمات مياه شرب آمنة، مع توقعات بارتفاع الطلب العالمي على المياه بنسبة تقارب 30% بحلول عام 2050. وفي هذا السياق، أصبحت المياه عنصراً محورياً في معادلات السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومكوناً رئيسياً في أجندة الأمم المتحدة، والاتحادات الإقليمية، والمؤسسات التمويلية والتنموية الدولية.
ويضم العالم اليوم نحو 286 حوضاً نهرياً وبحيرة عابرة للحدود تتشاركها دولتان أو أكثر، وفق بيانات الأمم المتحدة واليونسكو. وتشمل هذه الأحواض أنهاراً كبرى مثل النيل، والدانوب، والميكونغ، ودجلة والفرات، حيث تعتمد عليها مئات الملايين من السكان في مياه الشرب والزراعة والطاقة والنقل. كما يوجد أكثر من 592 خزاناً جوفياً عابراً للحدود حول العالم، ما يعكس تعقيد وتشابك قضايا إدارة الموارد المائية المشتركة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 60% من تدفقات المياه العذبة العالمية تأتي من مصادر مائية مشتركة بين الدول، فيما تمتلك أكثر من 153 دولة أراضٍ ضمن أحواض مائية عابرة للحدود. ولذلك، أصبحت الإدارة الرشيدة لهذه الموارد قضية استراتيجية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي، والاستقرار الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز التعاون الدولي.
وفي المقابل، تحذر تقارير دولية من أن غياب التعاون والتنسيق في إدارة المياه المشتركة قد يؤدي إلى تصاعد النزاعات والتوترات الإقليمية، خاصة في المناطق الهشة والمتأثرة بالتغيرات المناخية. ومن هنا برز مفهوم “الدبلوماسية المائية” كأداة حديثة لتعزيز الحوار وبناء الثقة وتحويل الأنهار المشتركة من بؤر محتملة للتوتر إلى منصات للتعاون والتنمية والتكامل الإقليمي.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور المتنامي لوزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية باعتبارها منصة التنسيق السيادي لملفات المياه الخارجية، وذلك بالتكامل مع وزارة الزراعة والري – قطاع الري والموارد المائية، ووزارة البيئة – المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، ووزارة العدل، ووزارة الصحة، ووزارة النقل والجهات الفنية والأمنية المختصة. فإدارة المياه العابرة للحدود لم تعد مسؤولية قطاع واحد، بل أصبحت عملية قومية متكاملة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع القانون الدولي، والهيدرولوجيا، والأمن، والاستثمار، والتعاون الإقليمي، بما يخدم المصالح الوطنية السودانية ويعزز حضور السودان في المحافل الدولية والإقليمية ذات الصلة بالمياه.
الدبلوماسية من الدور التقليدي إلى التخصصي:
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات المياه والمناخ والطاقة والأمن الغذائي، لم تعد البعثات الدبلوماسية تُقاس فقط بأدوارها البروتوكولية أو السياسية التقليدية، بل أصبحت مطالبة بأداء أدوار نوعية ومتخصصة ترتبط مباشرة بالمصالح الاستراتيجية للدولة. ومن بين أبرز هذه الأدوار اليوم، تبرز “الدبلوماسية المائية” باعتبارها أحد أهم مجالات العمل الدبلوماسي المعاصر.
من هنا، أصبحت السفارات والقنصليات العامة السودانية مطالبة بتطوير أدوات عملها وقدراتها المؤسسية للانتقال من مفهوم التمثيل التقليدي إلى مفهوم “الدبلوماسية المائية المتخصصة”، وذلك عبر متابعة ملفات الأحواض المائية المشتركة، ورصد التحولات الدولية في سياسات المياه والمناخ والبيئة، وتحليل انعكاساتها على الأمن المائي السوداني.
كما تضطلع البعثات الدبلوماسية بدور محوري في بناء الشراكات الفنية والعلمية والتمويلية مع المؤسسات الدولية والإقليمية، واستقطاب فرص التعاون في مجالات البنية التحتية المائية، ونظم الرصد والهيدرولوجيا، والتقنيات الحديثة، وبناء القدرات والتدريب. إضافة إلى ذلك، تمثل هذه البعثات منصة مهمة لدعم الموقف التفاوضي السوداني في القضايا المرتبطة بالمياه العابرة للحدود، من خلال تعزيز التواصل مع مراكز البحوث، وصناع القرار، والمؤسسات التمويلية الدولية.
وتكتسب هذه الأدوار أهمية متزايدة في ظل الترابط الوثيق بين المياه والطاقة والغذاء والهجرة والاستقرار الإقليمي، الأمر الذي يجعل من السفارات السودانية “خط الدفاع الدبلوماسي الأول” عن المصالح المائية الوطنية في الخارج. فالمياه لم تعد ملفاً فنياً معزولاً، بل أصبحت قضية سيادية واستراتيجية تتداخل فيها السياسة الخارجية مع الاقتصاد والأمن والتنمية المستدامة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الكفاءات المتخصصة داخل البعثات السودانية، وتوسيع نطاق التنسيق بين وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمؤسسات الفنية الوطنية، بما يساهم في بناء دبلوماسية مائية سودانية حديثة وقادرة على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز حضور السودان الإقليمي والدولي في قضايا المياه والتغير المناخي والتعاون العابر للحدود.
من حوض النيل إلى العالم … ملامح الدبلوماسية المائية السودانية:
في الحلقات القادمه ان شاء الله … ستتجه القراءة نحو البعد الإقليمي المباشر للدبلوماسية المائية السودانية، من خلال استكشاف “مبادرة حوض النيل” باعتبارها أولوية استراتيجية في السياسة الخارجية السودانية، وما يرتبط بها من جهود لتعزيز مسارات التعاون مع دول المنبع والمصب، وتطوير الأدوار الفنية والسياسية في إدارة ملفات المياه المشتركة، إلى جانب تسليط الضوء على سد النهضة الأثيوبي وأهمية التنسيق الفني والسيادي في إدارة الأزمات المائية المعقدة.
وفي امتداد هذا المسار التحليلي، سنستكشف أيضاً أبعاد الدبلوماسية المائية السودانية بصورة أعمق وأكثر شمولاً؛ حيث ننتقل إلى استكشاف موقع السودان داخل منظومة الحوكمة العالمية للمياه في جنيف ونيويورك، وما يتيحه ذلك من أدوار في صياغة القواعد الدولية والتأثير في أجندة الأمم المتحدة. ثم نتجه إلى قراءة الأبعاد الدبلوماسية والتمويلية والمعرفية في الرياض وجدة وباريس وتونس وواشنطن، بوصفها مراكز لصناعة القرار والتمويل ونقل المعرفة والتكنولوجيا في قطاع المياه. وأخيراً، نصل إلى الرؤية الاستراتيجية التي تقوم على بناء وحدة وطنية متكاملة للدبلوماسية المائية السودانية …. قادرة على تحويل الحضور السوداني من دور المتلقي إلى دور الفاعل والمؤثر في صياغة مستقبل التعاون المائي الإقليمي والدولي.