رأي

الدبلوماسية المائية .. بوابة السودان لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي .. مبادرة حوض النيل نموذجاً (2-4)

د. عمار أبكر عبد الله

تُعد مبادرة حوض النيل واحدة من أهم منصات التعاون الإقليمي في القارة الأفريقية، باعتبارها إطاراً مؤسسياً جامعاً لدول الحوض في مجالات الإدارة المشتركة للموارد المائية والتنمية المستدامة والتكامل الإقليمي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به البعثات الدبلوماسية السودانية في متابعة أعمال مؤسسات المبادرة وتعزيز الحضور السوداني داخل هياكلها الفنية والسياسية، بما يدعم المصالح الوطنية السودانية ويعزز فرص الحوار والتعاون الإقليمي.

في كمبالا بجمهورية أوغندا، يُستحسن أن يُنظر إلى البعثة الدبلوماسية السودانية كإحدى النقاط المحورية الممكن أن تُسهم في تعزيز متابعة أعمال سكرتارية مبادرة حوض النيل، باعتبارها الجهاز التنفيذي المركزي لتنسيق جهود دول الحوض. وتكتسب هذه المتابعة أهمية خاصة لارتباطها بملفات الإدارة المشتركة للموارد المائية، وبناء القدرات المؤسسية، وتعزيز التعاون الفني، ودعم مسارات التنمية المستدامة على مستوى الإقليم.

أما في كيغالي بجمهورية رواندا، يمكن أن تضطلع البعثة الدبلوماسية السودانية بدور داعم في متابعة أعمال الوحدة التنسيقية للنيل الجنوبي، وهي آلية تُعنى بتعزيز التعاون بين دول المنابع الاستوائية في مجالات إدارة الموارد المائية والمشروعات الإقليمية المشتركة، بما يسهم في توسيع مسارات الحوار وتعزيز الثقة بين الأطراف الإقليمية.

وفي أديس أبابا، من المهم أن يُؤخذ في الاعتبار تعزيز دور البعثة الدبلوماسية السودانية في متابعة أعمال المكتب الفني الإقليمي للنيل الشرقي، بوصفه أحد أهم الأطر الفنية للتنسيق بين السودان ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان، في قضايا النيل الشرقي، إلى جانب دعم التنسيق مع الاتحاد الإفريقي والمؤسسات القارية ذات الصلة بملفات المياه والمناخ والتنمية المستدامة.

التعاون السوداني–المصري: شراكة تاريخية وآليات فنية ممتدة:

في القاهرة، وبالتكامل مع القنصلية العامة في أسوان، تكتسب البعثة الدبلوماسية السودانية أهمية خاصة في إطار متابعة مسار التعاون السوداني–المصري في مجال الموارد المائية، والذي يستند بصورة رئيسية إلى اتفاقية مياه النيل لعام 1959، وما تفرع عنها من مذكرات تفاهم وآليات تعاون وبرامج تنفيذية مشتركة. ويأتي هذا المسار ضمن إطار تعاون طويل الأمد يقوم على التنسيق الفني والمؤسسي بين البلدين في إدارة أحد أهم الأحواض المائية المشتركة في المنطقة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى متابعة أعمال الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لهذا التعاون، بوصفها من أقدم الأطر الفنية الثنائية المعنية بالتنسيق التشغيلي والهيدرولوجي. ويشمل ذلك مجالات تبادل البيانات، والتنسيق حول محطات القياس والرصد على مجرى النيل، إضافة إلى دعم التعاون الفني في إدارة الموارد المائية، بما يعزز من كفاءة التشغيل المشترك ويُسهم في بناء قاعدة معلومات مشتركة تدعم اتخاذ القرار. كما يمتد نطاق الاهتمام ليشمل متابعة التطورات المرتبطة بمشروع الممر الملاحي والربط النهري من بحيرة فيكتوريا إلى البحر الأبيض المتوسط، وهو أحد المشاريع الإقليمية ذات البعد التكاملي، حيث تضطلع مصر بدور محوري فيه من خلال رئاسة بعض لجانه الإقليمية، بمشاركة عدد من دول حوض النيل. ويجري هذا المسار في إطار تنسيقي أوسع مع كل من الكوميسا والنيباد.

جنوب السودان: شراكة مائية نحو التكامل الإقليمي:

يعد التعاون بين السودان ودولة جنوب السودان في مجال الموارد المائية أحد المرتكزات الأساسية في إطار الدبلوماسية المائية السودانية، وذلك بالنظر إلى اشتراك البلدين في نظام مائي واحد ضمن حوض النيل. ويكتسب هذا التعاون أهمية متزايدة في مجالات تعزيز إدارة الموارد المائية المشتركة، وتطوير آليات تبادل البيانات الهيدرولوجية، والحد من مخاطر الفيضانات والجفاف، إلى جانب دعم الملاحة النهرية والتنمية البيئية المرتبطة بها. كما يسهم هذا المسار في تعزيز بناء الثقة وترسيخ الاستقرار بين البلدين، ويدعم في الوقت ذاته دور السودان داخل أطر التعاون الإقليمي في حوض النيل.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى البعثة الدبلوماسية السودانية في جوبا باعتبارها قناة مؤسسية يمكن أن تسهم في متابعة وتنسيق ملفات التعاون الفني والمائي مع الجهات المختصة في دولة جنوب السودان.

إريتريا ونهر القاش: الدبلوماسية المائية الهادئة

وبالمثل، يُعد ملف التعاون بين السودان وإريتريا في مجال الموارد المائية، ولا سيما في حوض نهر القاش، أحد المسارات المهمة ضمن الدبلوماسية المائية المرتبطة بإدارة السيول الموسمية والحد من مخاطر الفيضانات في شرق السودان. ويرتكز هذا التعاون بصورة أساسية على تبادل المعلومات الهيدرولوجية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، والتنسيق الفني في إدارة التدفقات الموسمية، إلى جانب دعم جهود الاستفادة من الموارد المائية في التنمية الزراعية المحلية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار البيئي وترسيخ علاقات حسن الجوار بين البلدين. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إيلاء هذا الملف اهتماماً متزايداً ضمن أولويات العمل الدبلوماسي السوداني في أسمرا، بما يعزز قنوات التواصل الفني والسياسي مع الجانب الإريتري، ويدعم تطوير آليات تعاون أكثر فاعلية واستدامة في إدارة الموارد المائية المشتركة.

وتعكس هذه المسارات مجتمعةً أهمية تطوير دبلوماسية مائية سودانية أكثر تخصصاً وتكاملاً، قادرة على التفاعل مع التعقيدات الإقليمية المتنامية، بما يسهم في حماية المصالح الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي، وترسيخ مكانة السودان كفاعل محوري في قضايا المياه العابرة للحدود في القارة الإفريقية.

سد النهضة: أهمية التنسيق الفني والسيادي في إدارة الأزمات

في إطار اعتبارات الأمن المائي الوطني، يظل ملف سد النهضة الإثيوبي من أبرز الملفات ذات الحساسية الاستراتيجية بالنسبة للسودان، نظراً لارتباطه المباشر بسلامة وتشغيل البنية التحتية المائية على النيل الأزرق. وتزداد أهمية هذا الملف بحكم القرب الجغرافي لسد النهضة من خزان الروصيرص، بما يقدّر بحوالي 40 كيلومتراً، الأمر الذي يجعل من مسألة التنسيق الفني وتبادل المعلومات عنصراً محورياً في منظومة إدارة المخاطر المرتبطة بالأمن القومي المائي. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تطوير أطر مؤسسية مستقرة وفعالة للتواصل والتنسيق بين الجهات الفنية السودانية ونظيراتها الإثيوبية، سواء في الظروف التشغيلية الاعتيادية أو خلال فترات الذروة والأزمات. ويشمل ذلك ضمان تدفق منتظم وفي الوقت المناسب للبيانات الهيدرولوجية والتشغيلية، ولا سيما ما يتعلق بمعدلات التخزين والتصريف وإدارة التشغيل الموسمي للسدود. كما أن التعامل مع هذا الملف يتطلب قدراً عالياً من التكامل بين المؤسسات الفنية والدبلوماسية ذات الصلة داخل السودان، بما يدعم بناء منظومات متقدمة للإنذار المبكر، وإدارة المخاطر، وتحليل السيناريوهات التشغيلية المحتملة. ويُسهم ذلك في تعزيز سلامة تشغيل خزان الروصيرص والمنشآت المرتبطة به، والحد من الآثار المحتملة للفيضانات أو التغيرات المفاجئة في التدفقات المائية. وفي هذا السياق، يمكن فهم المنظومة التخزينية السودانية باعتبارها جزءاً محورياً من نظام إدارة الجريان النهري، حيث تتأثر بشكل مباشر بتقلبات التصريف القادمة من النيل الأزرق. وفي ظل التعقيدات الإقليمية المرتبطة بإدارة موارد المياه في حوض النيل الشرقي، تبرز أهمية ترسيخ نهج الدبلوماسية الفنية الهادئة، القائمة على الحوار المتخصص، وتبادل المعلومات، وبناء الثقة، والالتزام بمبادئ التعاون الإقليمي وعدم الإضرار. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى التنسيق الفني بوصفه إجراءً تشغيلياً فحسب، بل كعنصر أساسي في تعزيز الأمن المائي وتقليل مستويات التوتر، وفتح مسارات أكثر استقراراً للتفاهم بين دول الحوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى