الخرطوم شوف عين (2)

بسم الله الرحمن الرحيم
محمد يوسف العركي
كان صباحي الأول في الخرطوم يعني لي شيئًا عظيماً طالما حلمت به، والله سبحانه وتعالى ييسره لي بعد طول انتظار.
كنت أملأ ناظري بكل مكان أمر به، وكأنني أغسل عن ذاكرتي تلك الصور القاسية التي ارتبطت بأيام الحرب والرحيل؛ يوم اضطر الناس إلى مغادرة بيوتهم، والسيارات متروكة على قارعات الطرق، وأبواب المنازل مفتوحة على المجهول.
هكذا كانت معظم أحياء الخرطوم آنذاك، وكانت الكلاكلة واحدة منها، إلا قلة من الناس آثروا البقاء، ولكلٍ ظرفه الذي يعلمه الله ويختلف عن ظروف الآخرين.
وكم كدت أفرك عيني لأتأكد أنني لا أحلم.
كنت أردد بيني وبين نفسي كلما وقعت عيناي على مشهد من مشاهد الحياة العائدة:
الحمد لله رب العالمين… الحمد لله الذي جعل ذلك ممكنًا.
ومن أكثر ما لفت انتباهي، وربما أصبح سُنّةً اجتماعية بعد عودة الناس إلى ديارهم، أن كل شخص تلتقيه يعزيك وتعزيه فيمن فقدوا من الأحبة.
فلا تكاد تجد بيتًا أو أسرة إلا وقد فقدت عزيزًا خلال تلك السنوات الثلاث العجاف.
كل من زرته في داره، أو التقيته في مسجد، أو سوق، أو طريق عام، كانت الدموع تسبق السلام، والذكريات تحضر قبل الكلام. فترى العيون تفيض بما عجزت عنه الألسن، وكأن الحزن المشترك صار لغةً يتخاطب بها الناس دون حاجة إلى كثير من العبارات.
وكنت أتساءل في نفسي:
كم أنت عجيب أيها الإنسان السوداني!
يزيدك الحزن تماسكاً، وتزيدك المحن قربًا من الناس.
وقد صدق الراحل سيف الدين الدسوقي حين قال:
والجار يعشق للجيران من سبب
وقد يحبهم جدًا بلا سبب
الناس أروع ما فيهم بساطتهم
لكن معدنهم أغلى من الذهب
عد بي إلى النيل لا تسأل عن التعب
ثم ذهبت وحدي إلى شاطئ النيل الأبيض، أو “البحر” كما نسميه نحن أبناء الكلاكلة القبة.
وقفت طويلًا أتأمل صفحة الماء الممتدة أمامي.
هذا النيل الذي كان شاهدًا على الهجران والظلم، وعلى ما تعرض له الناس من ترويع وتنكيل من الجنجويد واعوانهم قاتلهم الله جميعاً، وكان في الوقت نفسه شاهدًا على العودة والفرح الذي بدأ يدب من جديد في أوصال القبة.
وأحسب أنني يومها سلمت على كل شيء هناك.
سلمت على الرمال.
وعلى المراكب.
وعلى الأمواج.
وعلى الأشجار التي شهدت الغياب وشهدت العودة، وظلت واقفة على ضفاف النيل تحرس الذاكرة والأيام.
وفي تلك اللحظات تسللت إلى خاطري أبيات الشاعر الكبير إدريس جماع:
عزيمةُ النيلِ تُفني الصخرَ فورتُها
فكيف إن مسّه بالضيم إنسانُ
وانساب يحلم في وادٍ يظللهُ
نخلٌ تهدّل في الشطين فينانُ
بادي المهابة شمّاخٌ بمفرقهِ
كأنما هو للعلياء عنوانُ
وفي أول مساء لي بالخرطوم لاحظت هدوء الليل على نحو لافت. كان الناس يخلدون إلى النوم مبكرًا، وهي عادةٌ وجدتها متكررة طوال فترة إقامتي، وأحسبها من العادات الجميلة التي فرضتها طبيعة المرحلة وأسلوب الحياة الجديد.
ومع ذلك، ظلت حركة المواصلات مستمرة حتى ساعات متأخرة من الليل.
وخلال الأسابيع الثلاثة التي قضيتها هناك، كان هاتفي إلى جواري من المساء حتى الفجر، كما كانت أبواب الغرف الداخلية في المنزل بالكاد تُغلق.
وكان ذلك انعكاساً مباشراً لشعور عالٍ بالأمان، وهي شهادة أنا مسؤول عنها يوم القيامة.
أما الكهرباء فكانت تعمل وفق برمجة واضحة ومستقرة، ولم ألمس تذمرًا كبيرًا ممن التقيتهم بسبب ذلك.
وكذلك المياه، فقد كانت متوفرة في معظم الأوقات بصورة مرضية.
وأذكر أن صهريج المنزل امتلأ في إحدى الأمسيات حتى فاض بالماء، رغم أن موتور الضخ لم يكن يعمل حينها.
فالحمد لله على هذه النعمة.
وقد أسهمت منظومات الطاقة الشمسية في تشغيل العديد من محطات المياه والآبار في الكلاكلة القبة، كما أسهمت في خدمة عدد من المساجد والمرافق الحيوية.
فجزى الله خيرًا أبناء المنطقة في دول الاغتراب، وأولئك المرابطين داخل البلاد، الذين كانوا في الموعد تماماً، وبذلوا من أموالهم وأوقاتهم وجهودهم حتى استمر نبض الحياة في الأحياء السكنية رغم قسوة الظروف.
وكانت هذه المشاهد الصغيرة، في ظاهرها، أكبر من أن تُقاس بحجمها الحقيقي؛ لأنها كانت تعني بالنسبة لأهلها أن الحياة ما زالت قادرة على الانتصار، وأن إرادة الناس بفضل الله أقوى من المحن.
وفي الحلقة القادمة، إن شاء الله، أتحدث عن المواصلات و«بنكك»، وأول مشوار الى الخرطوم بعد العودة.
ونواصل إن شاء الله…

Exit mobile version