مصير المثقف .. فى وداع حيدر إبراهيم و التيجانى عبد القادر

محمد أحمد أبو وضاء

غادر دنيانا الفانية فى أسبوع واحد إثنين من أكثر المفكرين أثرا فى الحياة الثقافية السودانية مؤخرا.. هما حيدر إبراهيم و التيجانى عبد القادر.
نذر حيدر إبراهيم مشروعه الفكرى لنشر الوعى بالديمقراطية والقيم الليبرالية والإهتمام بالدراسات السودانية ونقد مشروع الإسلاميين فى السودان.
فى المقابل كرس الدكتور التيجانى عبد القادر حياته للفكر الإسلامى وإرساء منهج أصيل للدراسات القرآنية و الإصلاح السياسى والإجتماعى، و اشترك مع حيدر فى نقد التجربة الاسلامية لكن كلاهما من ميسم منهجى مختلف. الأول كان مهموما بهدم التجربة و الثانى بإصلاح التجربة.
نبه التيجانى لخطر الثنائيات المدمرة بين إسلامى وعلمانى وانسداد الحوار و نسف المشتركات.. فعندما كانت البلهارسيا والملاريا تفتك بالشعب السودانى كانت النخبة تصطرع على دستور إسلامى أم علمانى على حسب وصف التيجانى.
عمل حيدر على تعميق الثنائيات المدمرة، وظل يغذيها بتحليلاته و نماذجه حتى قال متهكما ان السودان أزمته فى الترابي والملاريا.. فقد رحل الترابي وبقيت الملاريا و رحل حيدر وبقيت حمى الضنك. الشاهد الذى أسوقه ان ربط كل مشاكل السودان بحقبة سياسية حسب قوله و تبرير تخلفه و انسداد تطوره السياسي والإجتماعى على شخصية فكرية او قيادة سياسية او فترة حكم محددة يخالف حتى النهج الذى تلقى به حيدر دروسه فى فرانكفورت إذ أنه نتاج للفكر اليسارى الليبرالي منذ عهد الطلب فى معهد المعلمين العالي، ومدرسة فرانكفورت الذى أخذ منها النزعة النقدية و الفلسفة الوجودية التى جعلت الصراع بين الوجود والماهية، و تجاوز تسليط ميسم البحث على البنية الثقافية والاجتماعية التى أنتجت الأزمة.
أتهم حيدر الدكتور منصور خالد بانه رجل أزمولوجى و أجد ذات الوصف ينطبق على حيدر. إذ انه كرس لصناعة الأزمة وإلباسها لبوسا فكريا.. لكن ما يميزه أنه كان صادقا فيما يقول، وجادا فيما يصنع وهو من عاب على المثقف السودانى إنعدام الجدية كما إتهمه سابقا بروف محمد عمر بشير بالرومانسية، و قطعت نرجسته كمثقف أواصر العلائق الفكرية مع رموز لا يمكن تجاوزها مثل عبد الله على ابراهيم و المرحوم الشاعر كمال الجزولى.
إن من يقف على مذكراته، وقد استوحى من المتنبئ عنوانه الفرعى عن الريح والقلق، يكتشف ان نشأته وأزماته الصحية الباكرة قد أثرت على رؤيته للعالم.. و رغم إنه تربية “حبوبات” وشايقى عرقا ووجدانا إلا أن مراتع صباه فى ديار الجعليين قد أكسبته هذه الحدية القاطعة. نجح حيدر فى تقديم صوت مغاير يعبر عن ازمة السودان، ولم يقدمه رهطه ليكون الصوت الفكرى المعبر عن المعارضة او المشروع البديل بل حاربوه ، لذا ظل يشتغل فى المنطقة الرمادية بين الشط العروبي و التيار اليسارى الليبرالى الحداثى. و قدم مشروع يقوم على القطيعة و الهدم لا تطوير المشتركات.
وتساءل كثيرون من أولى المثقفين للتعبير الفكرى عن المشروع الديمقراطى البديل هل حيدر ام الحاج وراق؟ ولماذا تمت إزاحة حيدر عن ميدانه الذى يعرفه وكرس حياته من أجله بل هو أول من بدأ المعارضة بالفكر والثقافة عندما كان الحاج وراق مهموما ببناء الخلايا المسلحة فى تنظيم حق كما إتهمه الراحل الخاتم عدلان.
وجد حيدر احتفاء و تقديرا من مؤسسات الفكر العربى أكثر من السودانيين و قدموا له الجوائز إعترافا بجهده الفكرى، فى الوقت الذى اختلفت فيه مجموعات اليسار السودانى على إرثه الفكرى ولم يضعوه فى المكان اللائق به حسب اشتغاله على أجندتهم ومشروعاتهم. وحظى مشروعه لنقد الإسلام السياسى فى السودان بالرواج و القبول لتماسكه النظرى وفق مقاربات التحول الديمقراطى وبسط الحريات على أسس علمانية. وحاول ان يقدم الإسلام السياسي بانه بناء فكرى معاد للحريات وداعم للتطرف وغير قابل للإصلاح بل يجب هدمه وتحطيمه. و صارت هذه المعزوفة الشجية شعارا للمرحلة عبر عنها جون قرنق بقوله،
Can not be reformed and should be deformed
فى المقابل لم يكرس التيجانى مشروعه لتعميق القطيعة الفكرية والسياسية بل دعا لبناء المشتركات والحوار، ورغم نقده للتجربة الإسلامية إلا انه قدم مشروع إصلاحيا لا يقوم على الهدم بل الحوار وبناء المشتركات والتخلص من أيدلوجيا الثنائيات المدمرة. وكرس مشروعه للإشتغال على الوعى بقضية العدل الاجتماعى الشامل ، وإعادة اللحمة الوطنية و بناء الإقتصاد الريفى ليتنزع من النخب الحضرية حق الريف فى التنمية الإقتصادية والإجتماعية والمشاركة السياسية.
لا غرو فإن التيجانى المنحدر من قلب كردفان من قرية أم دم حاج أحمد والذى ترتبط اسرته بمسيرة جهادية مشهودة مع الامام المهدى اختار الانحياز عن وعى للفكر الإسلامى. ولم يكتف فيه بحفظ المنقولات و النظر البارد للنماذج التاريخية، بل قدم نموذجا كما ذكر الباحث خالد موسي فى نعيه تميز بالجدة والأصالة وحظى بالقبول فى الأوساط الفكرية والأكاديمية، بل مثل قفزة غير مسبوقة فى مناهج الدراسات القرآنية. كما اشار عبد الله على ابراهيم أن اليسار لم يكتشف التيجانى المثقف الإسلامى ولم يحتف الا بإنسلاخه من الحركة الاسلامية. وهو منهج فى نقد المعارضة يعرف التشييع بلعنات التاريخ كما فعل بإقتدار ياسر عرمان.
فى الوقت الذى أكتفى فيه حيدر ابراهيم بالنظر من عل على ازمات المجتمع و الندوات والتأليف، كان التيجانى مشتبكا مع الواقع رغم إغترابه، مشاركا ومناصحا وناقدا بل حاول بناء حركة للتغيير الاجتماعى قتلتها شكوك المعارضين و تكتيكات البصاصين.
كما إهتم حيدر بدراسة نموذج الإسلاميين وحمله وزر كل أزمات السودان، وسبب تخلفه السياسي والإقتصادي والإجتماعى. فى المقابل درس التيجانى النموذج النظرى للتغيير الثورى للتيار اليسارى فى السودان.
و يكشف التيجانى عن تأثر النموذج اليسارى فى السودان بنظرية شى جيفارا فى أمريكا اللاتينية وهو ان بناء خلايا مسلحة تنطلق من الريف حيث هشاشة البني السياسية والإقتصادية يمكن ان تهزم الجيش الوطنى وتفكيكه لبناء النموذج الثورى مع تكريس نظرية المركز والهامش للإستثمار فى الغبن الإجتماعى واستدامة الحالة الثورية.
لهذا يرى التيجانى أن تحالف اليسار مع الحركة الشعبية واشعال حرب الغوريلا فى السودان ما هو إلا تكريس لهذا النموذج الجيفارى الثوري لا سيما وأن مانفستو الحركة الأول تبني التوجه الماركسي ووصف تكوين البنية الإجتماعية فى المركز بأنهم عرب مزيفين. ويرى التيجانى أن الحزب الشيوعي بنى تحالفا سريا مع الحركة الشعبية وغذاها بالكوادر و الأدبيات فى محاولة لإمتطاء ظهرها لإحداث التغيير الثوري المطلوب الذى لا يقوم على الإنقلاب على النظام السياسي فحسب بل تغيير البنى الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للدولة، ويمثل حل الجيش الوطنى وإستبداله بمكونات مسلحة من الهامش هى مركز نظرية التغيير الثورى لليسار. ما فات على الدكتور التيجانى استدراكه انه توقع بقاء الجنوب وسعيه للسيطرة الكاملة على السودان لكن وفاة قرنق غيرت المعادلة بصعود التيار الانفصالى الذى قاد لإستقلال الجنوب.
بعد فقدان ورقة الجنوب سعى اليسار للإستثمار فى حركات الهامش وهم بقايا الحركة الشعبية فى جنوب كردفان بقيادة الحلو وبعض حركات دارفور مع بقاء استراتيجية التغيير الثورى وهو تفكيك الجيش الوطنى بإعتباره احد اهم ممسكات الهوية الوطنية فى السودان واحد أقوى كوابح تفكيك البنى التاريخية والإجتماعية للسودان.
ورغم نقده البنيوى لمشروع التغيير الثورى اليسارى فى السودان، فقد دعا للحوار وتعظيم المشتركات وتجاوز الصراع الأيدلوجى. لكن فى المقابل عمل حيدر ابراهيم على تكريس القطيعة الفكرية والسياسية مع التيار الإسلامى و هدم نماذجهم و تطبيق العزل السياسي عليهم ومنعهم بالقانون من ممارسة العمل السياسي و الإجتماعى لأته اختزل أزمات السودان فى تيار واحد ولم يعده انعكاسا للبنية الإجتماعية والإقتصادية والثقافية لصيرورة التكوين التاريخى للسودان.
لقد مضى حيدر إبراهيم و التيجانى عبد القادر الي رب العزة والجلالة ، سائلين الله أن يجعل الفردوس الأعلى مسكنهما. وتركا جهدا و أثرا نختلف فى تقييمه والحكم عليه، لكن سعيا بصدق كل حسب كسبه فى تقديم الحلول لأزمات السودان.
لعل الفرق الوحيد حول أثرهما وتراثهما، ان بعض الناعين لحيدر من رهطه تساءلوا بلغة تشكيكية عن مصارف التمويل وما تبقى من الدعم والهبات للمؤسسات الثقافية التى رعاها وبناها مثل مركز الدراسات السودانية مثلما كتب خالد المبارك.
فى المقابل أجمع نعاة التيجانى عبد القادر عن أن تراثه الفكري وأثره الثقافى سيبقى شعلة مضيئة ، حيث لم يترك تمويلا أو مركزا يشتجر حوله الناس بل منهجا لتدبر القرآن و أفكارا تسعى بين الناس بالوعى و الإصلاح كل يوم.
إن كان من درس مستفاد من سيرتهما الفكرية هو فتح نوافذ الحوار دون تخندق فى مواقف تاريخية او إرث أيديلوجى، و تمثيل تطلعات الجماهير اكثر من مصالح النخبة.

↑
Exit mobile version