رقم ٢ قراءة سياسية في عالم يعاد ترتبيه بلا خرائط واضحة (٢-٤)
لم يكن سؤال هنري كيسنجر في كتابه «هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟» سؤالًا أكاديميًا معزولًا، بل تحذيرًا مبكرًا من عالم يفقد فيه ميزان القوة انضباطه، وتتحول فيه القيم من بوصلة إلى غطاء. كيسنجر لم يسأل إن كانت أمريكا قوية، بل إن كانت تعرف ماذا تفعل بقوتها، وإن كان غياب الرؤية سيقود إلى فوضى تُدار بدل نظام يُحكم
ما نعيشه اليوم، خصوصًا في منطقتنا العربية، هو الجواب العملي عن ذلك السؤال. ليس لأن أمريكا وحدها تُدير المشهد، بل لأن غياب السياسة الواضحة لدى القوى الكبرى فتح الباب أمام إدارة الصراعات بدل حلّها، وأمام تسويق الوهم بدل بناء الاستقرار. وحين تُدار السياسة بهذا المنطق، لا تكون النتيجة نظامًا عالميًا جديدًا، بل ساحات مفتوحة للفوضى، تُترك فيها الدول الضعيفة لتدفع الثمن.
في الحلقة الأولى، كان الحديث عن الفكرة، كيف ينتج غياب الرؤية سياسة مرتبكة، وكيف يتحول الخطاب الأخلاقي إلى أداة نفوذ. أما هنا، فنحن أمام الواقع العاري كيف تُترجم تلك السياسة المرتبكة إلى دول مدمّرة، ومجتمعات منهكة، وأوطان تُفكك باسم شعارات كبرى لا تُنقذ دولة ولا تبني سلامًا
لم يكن ما جرى في السودان واليمن وليبيا والصومال، ثم في غزة وسوريا والعراق، سلسلة أخطاء محلية معزولة كما يُراد لنا أن نصدق، بل مسارًا واحدًا طويل النفس، استُخدمت فيه الانقسامات الداخلية بوصفها مدخلًا، والشعارات الكبرى بوصفها غطاءً، وانتهى بتدمير البنية الأساسية للدولة واهمها الجيش، الاقتصاد، الهوية الجامعة، والقدرة على القرار المستقل.
الخداع الأكبر لم يكن في المؤامرة، بل في الطريقة التي قُدّمت بها. قيل للشعوب إن ما يحدث ثورة أو تحرير أو حماية أو انتقال ديمقراطي، بينما كان الواقع تفكيكًا منظمًا لقدرة الدولة على الاستمرار. لم تُدمَّر الدول دفعة واحدة، بل أُنهكت تدريجيًا صراع وهمي يُصنع بذكاء، تدخل يُبرَّر، ثم انسحاب يترك فراغًا، فالفراغ يتحول إلى ساحة نفوذ مفتوحة، وتبدأ مرحلة تقاسم الخراب.
في السودان، لم يكن الانفجار نتيجة لحظة واحدة، بل حصيلة سنوات عديدة من تآكل السياسة، وتسليع الهويات، وتحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى لاعب في سوق السلطة ومنطقة تنافس حزبي سالب. تُرك البلد يتآكل، لا لأن العالم لم يرَ، بل لأنه رأى وقرّر أن الكلفة أقل من التدخل، وأن الفوضى تخدم إعادة ترتيب النفوذ في منطقة حساسة بالموارد والموقع.
في اليمن، بُني الصراع على أوهام الحسم السريع، وتحول إلى حرب استنزاف طويلة دمّرت الدولة والمجتمع معًا. لم يعد السؤال من سينتصر، بل من سيبقى قادرًا على السيطرة على ما تبقّى. واليمن، بما يملكه من موقع استراتيجي، تحوّل من دولة إلى ورقة ضغط في صراع أكبر من حدوده.
ليبيا مثال صارخ على الخداع المغلّف بالأخلاق. أُسقط النظام بلا تصور لما بعده، فانهارت الدولة، وتحوّلت البلاد إلى سوق سلاح ونفوذ. النفط موجود، لكن السيادة غائبة، والقرار موزّع بين عواصم لا ترى في ليبيا وطنًا، بل مخزنًا للوقود وممرًا الي دول أفريقية.
الصومال يُقدَّم دائمًا بوصفه فشلًا محليًا مزمنًا، بينما هو في الحقيقة نموذج لما يحدث حين تُترك الدولة خارج الحسابات الكبرى. الفوضى هنا ليست عارضًا، بل وظيفة دولة ضعيفة على بحر حيوي، بلا قدرة على التحكم، وبلا كلفة سياسية على من يستفيد.
أما غزة، فهي المثال الأكثر فجاجة على تلاقي الخداع مع القسوة. القضية العادلة تُدار بلا أفق سياسي، والدم يُستثمر، والمعاناة تُحوّل إلى مادة خطابية. لا حلّ يُطرح بجدية، لأن استمرار الأزمة يخدم ميزان النفوذ أكثر من إنهائها. وهكذا تُختزل فلسطين في مأساة إنسانية، ويُفرّغ بعدها السياسي.
سوريا والعراق قدّما الدرس الأخطر حين تُكسر الدولة باسم إسقاط النظام، لا يأتي البديل ديمقراطيًا، بل تتقدّم الهويات القاتلة، وتدخل القوى الخارجية بوصفها ضامنة أو منقذة، ثم تتحول إلى شريك دائم في القرار. الدولة التي لا تملك احتكار القوة، لا تملك السياسة.
هذا المسار لم يتوقف عند ساحات الانهيار، بل تمدّد إلى دول يُراد لها أن تبقى قائمة ولكن مُقيدة. مصر، مثلًا، تُحاصر اقتصاديًا وسياسيًا، لا لإسقاطها، بل لإبقائها في حالة إدارة أزمة دائمة، منشغلة بالبقاء والاحتياجات اليومية للمواطن لا بقيادة الوطن العربي أو الأفريقي. الدولة المرهَقة أسهل توجيهًا وترضخ بالخبز وهي اسهل في القياد من الدولة المنهارة.
أما دول الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات، فهي في قلب معادلة أكثر تعقيدًا. ليست مستهدفة بالانهيار، بل بالاستنزاف الناعم. تُستدرج إلى صراعات، أو منافسات نفوذ، أو أدوار أكبر من طاقتها الطبيعية، بحيث تُستثمر قوتها الاقتصادية في بيئة إقليمية غير مستقرة، وتُربط أمنها بتوازنات خارجية لا تملك التحكم فيها بالكامل. الخلافات الخليجية، حين تظهر، لا تُقرأ بوصفها اختلافًا طبيعيًا في المصالح، بل كفرص ثمينة لإعادة ضبط الإقليم من الخارج.
وفي المغرب العربي، يبدو المشهد أقل دموية، لكنه لا يقل خطورة. تعطيل التكامل، إدامة الخلافات، وإبقاء الدول في حالة توازن هش، يمنع تشكّل كتلة إقليمية قادرة على التفاوض بندّية. الاستقرار هنا مشروط، والهوامش محسوبة، والقرار الاستراتيجي مقيد بسلاسل ناعمة.
ما يجمع كل هذه الساحات ليس مؤامرة واحدة مركزية، بل منطق واحد إضعاف البُنى الصلبة، تفتيت الإرادة السياسية، وتحويل الموارد إلى موضوع إدارة خارجية. عالم اليوم يُعاد تقسيمه، لا بالخرائط السياسية فقط، بل بالادوار الوظيفة مناطق إنتاج، مناطق موارد طبيعية أو طاقة، مناطق دفن النفايات، مناطق عبور، مناطق فوضى، ومناطق قرار. والعالم العربي، في صيغته الراهنة، يُدفع دفعًا إلى خانة السهولة والانقياد.
الخداع الحقيقي هو إقناعنا بأن ما يحدث قدر، أو فشل ثقافي، أو لعنة تاريخية. الحقيقة أبسط وأقسى من لا يمتلك سياسة نفوذ واضح، ومن لا يستثمر ما يملك يُدار من قبل غيره. ومن لا يحمي دولته ويوحد شعبه من الداخل، تُعاد صياغتها من الخارج. ومن يخلط بين العاطفة والاستراتيجية، يخسر الاثنين معًا.
هذا ليس نداء يأس، بل دعوة وعي. لأن ما جرى لم يكن حتميًا، وما سيأتي ليس مكتوبًا سلفًا. لكن أول شرط للخروج من هذا المسار هو كسر الخداع، وفهم أن السياسة ليست شعارات، وأن السيادة لا تُستجدى، وأن العالم لا ينتظر من يتأخر عن فهم لحظته.