

د. عبد العظيم حسن – المحامي
لا يبدو أن السودانيين يختلفون اليوم حول الحاجة إلى الحوار بقدر اختلافهم حول من يدير الحوار، ومن يشارك فيه، وإلى أين ينتهي. ومع ذلك، فإن الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها هي أن الحوار، مهما كثرت عيوبه ومحاولات اختطافه، يظل الطريق الأقل كلفة والأكثر وطنية للخروج من الأزمة.
الحرب لم تنشأ من فراغ، ولم تكن سوى أحدث صور الفشل في إدارة الخلاف السياسي وصراع السلطة. وقبلها عرف السودان الانقلابات، والانتفاضات، والاتفاقات المؤقتة، والفترات الانتقالية التي انتهت في كثير من الأحيان إلى أزمات جديدة.
ولذلك فإن وقف الحرب، على أهميته، لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة، لأن السلاح قد يصمت بينما تبقى الأسباب التي حملته إلى المشهد قائمة. فالمطلوب ليس حواراً جديداً يضاف إلى سجل الحوارات السابقة، ولا اجتماعاً سياسياً لتوزيع المقاعد والمناصب، وإنما حواراً يواجه الأسئلة التي ظلت مؤجلة: كيف يُحكم السودان؟ وكيف تُوزع السلطة والثروة؟ وما حدود العلاقة بين المدني والعسكري؟ وكيف تُبنى مؤسسات دولة لا تنهار كلما تغيرت السلطة؟
قد يطول طريق الحوار، وقد يختلف الناس حول خطواته ومشاركيه وضماناته، لكن البديل ليس طريقاً أقصر بالضرورة. فالتجربة السودانية تقول إن تجاهل الحوار لا يلغي الخلاف، وإنما يدفعه إلى ساحات أخرى أكثر قسوة. إن الحوار ليس ضعفاً، كما أن التوافق ليس استسلاماً. الضعف الحقيقي هو الاستمرار في إعادة إنتاج الأزمة، وانتظار نتيجة مختلفة من الوسائل نفسها.
وإن طال السفر، فإن السودان لن يصل إلى دولة مستقرة إلا عندما يتعلم أبناؤه أن الوطن أكبر من أي طرف، وأن الدولة لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالاتفاق على قواعد تحكم الجميع