الحوار السوداني.. لماذا لا ننظر إلى أمريكا؟

مهند عوض محمود

حين نتحدث عن الحوار والمصالحات المنشودة، غالباً ما نستدعي تجربة جنوب أفريقيا ورواندا؛ وأرى أن التجربة الأمريكية تستحق أن تدخل نقاشنا أيضاً. فإلى جانب السؤال عن كيفية الوصول إلى اتفاق، علينا أن نسأل: ما الذي يضمن بقاءه حين يختلف الموقّعون عليه؟

في جنوب أفريقيا، أفضى التفاوض إلى مبادئ دستورية ملزمة، أبرزها وحدة الدولة، والمواطنة المتساوية، وحظر التمييز، وحماية الحقوق والحريات، وسمو الدستور، واستقلال القضاء، والتعددية الديمقراطية. وهنا درس مهم: يتفق المختلفون على قواعد تصون حقوق الجميع، ثم يتنافسون على الحكم داخلها.

وفي رواندا، برز تحدي استعادة التعايش بعد الإبادة الجماعية ضد التوتسي، التي قُتل خلالها أيضاً هوتو عارضوا المتطرفين. وتستحق تجربتها الدراسة في معالجة آثار العنف القائم على الهوية وترميم العلاقات المجتمعية، مع مراعاة ظروفها وحدودها.

أما التجربة الأمريكية، فتلفت النظر إلى توزيع السلطة وبناء المؤسسات القادرة على إدارة تضارب المصالح. وربما أبعدتها عنا الجغرافيا، أو حجبتها صورتها في خطابنا بوصفها «الغرب الشرير». لكن الاختلاف مع سياساتها لا يمنع دراسة تاريخها؛ فالتعلم من تجربة أمة لا يعني تزكية حكوماتها.

قام البناء الدستوري الأمريكي على توزيع السلطة وتقييدها: فصل بين التشريع والتنفيذ والقضاء، ورقابة متبادلة، واستقلال للقضاء، وصلاحيات موزعة بين الحكومة الاتحادية والولايات. ومثّل مجلس النواب السكان، بينما منح مجلس الشيوخ الولايات تمثيلاً متساوياً، فجمعت التسوية بين الوزن السكاني ومكانة الولايات داخل الاتحاد.

وتكمن أهمية هذه الترتيبات في أنها لا تكتفي بطلب الاعتدال من الحاكم؛ بل تضع حدوداً لسلطته، وتمنح مؤسسات أخرى وسائل لمراجعته ومحاسبته. وهذا سؤال يستحق اهتمامنا: ما الضمانات التي تحمي الدولة والمواطن إذا أخلّ أصحاب السلطة بتعهداتهم؟

غير أن النصوص وحدها لم تصنع قوة المؤسسات الأمريكية؛ فقد تطورت عبر الممارسة والصراع من أجل الحقوق وتقاليد تداول السلطة. كما حملت التجربة إخفاقات جسيمة: أبقت تسويات التأسيس على الرق وأقصت فئات واسعة، ولم يمنع الدستور الحرب الأهلية. وحتى بعد إقرار الحقوق، استغرق تطبيقها نضالاً طويلاً. والدرس أن التسوية التي تؤجل العدالة تُبقي أسباب الصراع حية.

يمكن أن نستفيد من جنوب أفريقيا خصوصاً في التفاوض على المبادئ المشتركة، ومن أمريكا في توزيع السلطة والرقابة المتبادلة، ومن رواندا في ترميم العلاقات بعد الفظائع. وتتداخل دروس هذه التجارب؛ ومهمتنا أن نختار منها ما يعالج مشكلاتنا، وأن نصوغ له ضمانات تناسب واقعنا.

فالسودان يحتاج إلى إجابات واضحة: كيف تشارك الأقاليم في القرار؟ من يراقب السلطة والمال العام؟ وكيف تُصان الحقوق حين تتبدل الحكومات والتحالفات؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد إن كان الاتفاق سيؤسس للاستقرار، أم سيؤجل جولة جديدة من الصراع.

كيف نحوّل اتفاق المختلفين إلى مؤسسات تبقى بعدهم؟ ذلك، في تقديري، أحد أهم أسئلة الحوار السوداني. فتوزيع المناصب قد يرضي المفاوضين، لكنه لا يكفي لطمأنة المواطنين.

نجاح الحوار أن نبني دولة لا يحتاج فيها السوداني إلى قبيلته لينال حقه، ولا إلى السلاح ليُسمع صوته.

↑
Exit mobile version