ثقافة وفنون

الحرب تصل إلى ذاكرة سيد خليفة.. منزل سفير الأغنية السودانية يكشف خسارة أرشيف فني نادر

الاحداث:ماجدة حسن
لم تترك الحرب في السودان وراءها أنقاضاً للمنازل والمؤسسات وحدها، بل امتدت آثارها إلى الذاكرة الثقافية والفنية، فطالت صوراً ووثائق وتسجيلات ومقتنيات كان يفترض أن تبقى شاهدة على تاريخ أجيال كاملة. وفي واحدة من أكثر صور هذا الفقد إيلاماً، جاءت الزيارة التوثيقية التي أجرتها قناة TV Net إلى منزل الفنان الراحل وسفير الأغنية السودانية سيد خليفة، برفقة نجله الفنان منتصر سيد خليفة، لتكشف جانباً من الخسارة التي أصابت إرثاً فنياً يتجاوز قيمته حدود المكان والأسرة.
لم تكن الزيارة مجرد جولة داخل منزل تضرر بفعل الحرب، وإنما كانت عودة إلى مساحة تختزن فصولاً من حياة واحد من أبرز الأصوات التي أسهمت في إيصال الأغنية السودانية إلى خارج حدود الوطن.
داخل المنزل، عاشت أسرة سيد خليفة سنوات طويلة، وظلت جدرانه تحتفظ بملامح من مسيرته الفنية، من صور نادرة وشهادات وتكريمات ووثائق ومقتنيات وتسجيلات قديمة، إلى جانب مواد أرشيفية كانت تمثل جزءاً من ذاكرة الفنان ومسيرته الممتدة لعقود.
لكن الحرب بدّلت المشهد.
وكانت المكتبة الفنية الخاصة بسيد خليفة من أبرز ما تعرض للفقد، بما كانت تضمه من مواد نادرة مرتبطة بتاريخه الفني، الأمر الذي يحوّل الخسارة من شأن عائلي إلى فقد ثقافي يمس جانباً من الذاكرة الموسيقية السودانية.
وخلال الزيارة، استعاد الفنان منتصر سيد خليفة بعضاً من ذكريات والده، متوقفاً عند المنزل ومحتوياته وما مثّلته تلك المقتنيات للأسرة وللتاريخ الفني لوالده، كما تحدث عن حجم ما فقده المكان، وفي مقدمة ذلك المكتبة التي كانت تختزن مواد يصعب تعويضها أو استعادتها.
وتزداد قيمة هذا الأرشيف المفقود بالنظر إلى المكانة التي يحتلها سيد خليفة في تاريخ الفن السوداني. فقد كان من الأصوات التي تجاوزت الأغنية المحلية إلى فضاء عربي وإفريقي أوسع، وارتبط اسمه بأعمال رسخت حضوره في وجدان السودانيين، من بينها «المامبو السوداني» و«إزيكم كيفنكم»، إلى جانب أعمال أخرى شكلت جزءاً من مرحلة مهمة في تطور الأغنية السودانية وانتشارها.
ولم يكن سيد خليفة مجرد مطرب صاحب حضور جماهيري، بل كان واحداً من الفنانين الذين حملوا الأغنية السودانية إلى المنابر العربية، وأسهموا في تقديم الصوت السوداني لجمهور خارج البلاد، ليصبح اسمه مرتبطاً بصورة الفنان السوداني الذي استطاع أن يعبر الحدود دون أن يفقد خصوصية هويته الفنية.
ومن هنا، فإن ما جرى في منزل سيد خليفة يعكس واحدة من التداعيات الأقل ظهوراً للحرب: خسارة الذاكرة.
فالأرشيف الفني الخاص بالفنانين لا تقل أهميته عن المتاحف والوثائق الرسمية؛ إذ تحفظ التسجيلات والصور والمراسلات والمقتنيات تفاصيل لا يمكن دائماً العثور عليها في الكتب أو السجلات، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة لفهم مراحل تطور الفن والمجتمع والثقافة.
وتأتي هذه الزيارة في سياق الحاجة المتزايدة إلى توثيق ما أصاب التراث السوداني خلال الحرب، والعمل على حصر ما تبقى من مقتنيات الفنانين والمبدعين، وحفظها ورقمنتها قبل أن يطالها المزيد من التلف أو الفقد.
فما فقده منزل سيد خليفة ليس مجرد مقتنيات شخصية، بل صفحات من ذاكرة السودان الفنية.
وبينما وثقت كاميرا TV Net آثار الحرب داخل منزل سفير الأغنية السودانية، بدت الرسالة الأهم أبعد من صورة الدمار: ما يمكن أن يُعاد بناؤه من حجر قد يُبنى من جديد، لكن بعض ما يضيع من الذاكرة لا يمكن استعادته، ولذلك يصبح توثيق ما تبقى من إرث المبدعين السودانيين مسؤولية ثقافية عاجلة، قبل أن تتحول الخسائر الفردية إلى فقد دائم لذاكرة وطن بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى