خالد محمد أحمد
ليس كلُّ ما يصلح في مقام الأدب يصلح في غيره، وليس كلُّ عبارةٍ بليغة تزداد ملاءمةً لمجرَّد أنها نادرةٌ أو غريبة؛ فاللغة قبل أن تكون مجالًا لإظهار سَعة الاطلاع على المفردات والتعابير التراثية هي في المقام الأول وسيلةٌ للفهم والإفهام.
وتزداد هذه القاعدة أهميةً حين يكون المتحدِّث ممثلًا لدولةٍ في محفلٍ دولي، ويكون جمهوره متعدِّد اللغات والثقافات والخلفيات.
ولذلك، فإنني أرى أن استدعاء السفير الحارث إدريس ، الممثل الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، عبارةَ “بُؤْ بشِسْع نعل كُليب” لم يكن مناسبًا للمقام؛ لأنها ليست مجرَّد تعبيرٍ أدبي عابر، بل تستدعي قصةً قديمة ذات دلالاتٍ خاصة، ولا ينبغي للسفير أن يفترض أن جميع مستمعيه في هذا المحفل الدولي يعرفونها أو يدركون دلالاتها الدقيقة.
لا تكتمل وظيفة اللغة بمجرَّد صحَّة العبارة أو بلاغتها؛ فإذا تاهت الفكرة بسبب التقعُّر، أو بسبب استعمال تعبيرٍ شديد الخصوصية خارج المقام الذي نشأ فيه، ضاع جزءٌ من الغرض الذي قيل الكلام من أجله؛ فالبلاغة ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلةٌ لتقوية المعنى وإيصاله. وحين تصبح العبارة نفسُها مركز الاهتمام، وينشغل المتلقِّي بفكِّ دلالتها والبحث عن أصلها أكثر من انشغاله بالرسالة التي تحملها، تتحوَّل الوسيلة إلى عائقٍ يحول دون الغاية.
وتزداد أهمية ذلك في خطاب السفير؛ فهو لا يخاطب السودانيين، ولا جمهورًا عربيًا متجانسًا يعرف تاريخ العرب وأمثالهم وأشعارهم، بل يخاطب دبلوماسيين من دولٍ مختلفة، ومترجمين فوريين، وصحفيين، وموظفي منظماتٍ دولية، ومتلقِّين من مختلف أنحاء العالم عبر وسائلَ متعدِّدة.
ليس المطلوب من المندوب أن يتخلَّى عن العربية الفصحى، ولا أن يتنازل عن قوة التعبير، ولا أن يتحدَّث بلغةٍ فقيرة أو جافة؛ بل أن يدرك أن لكل مقامٍ مقالًا، وأن فخامة اللفظ وندرته لا تعنيان بالضرورة قوة الرسالة، وأن القوة في هذا المقام تكون في البساطة والدقة والوضوح، لا في تعقيد العبارة أو غرابة التعبير.
وإذا أراد المندوب أن يكون حادًا وقويًا، فبوسعه أن يكون كذلك بلغةٍ مباشرة لا تحتمل التأويل. يمكنه أن يُدين، وأن يرفض، وأن يتهم، وأن يحاجج، وأن يحمِّل الطرف الآخر مسؤوليته، ولكن بكلماتٍ يُدرك السامع معناها من المرة الأولى. ففي الخطاب الدبلوماسي، لا ينبغي أن يحتاج المتلقِّي إلى العودة إلى كتب التراث لكي يفهم ما أراد ممثِّل الدولة قوله.
ولذلك، فإنني لا أرى أن من المناسب تحويل الخطاب الرسمي إلى ما يشبه منشورًا موجَّهًا إلى “التايم لاين”؛ فوسائل التواصل الاجتماعي تكافئ العبارة اللافتة، والجملة القابلة للاقتباس، واللقطة التي يسهُل اقتطاعها وإعادة نشرها. أما الخطاب الدبلوماسي، فله وظيفة مختلفة؛ إذْ لا تتمثَّل غايته في صناعة “ترندٍ”، بل في تثبيت موقف الدولة، وتقديم حجَّتها، وإيصال رسالتها بوضوحٍ إلى جمهور دولي متنوِّع.
قد تحقِّق العبارة التراثية انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتداولها الناس ويشرحون أصلها، وربما تطغى شهرتها على بقية مضمون الخطاب. لكن السؤال الذي يستحقُّ أن يُطرح هو: هل أصبح الناس يتحدَّثون عن الرسالة، أم عن العبارة؟
فإذا انصرف معظم النقاش بعد الخطاب إلى معنى العبارة وأصلها ودلالتها، فقد أدَّت دورًا باعتبارها مادةً لافتةً للتداول، لكن ذلك سيكون على حساب دورها كوسيلةٍ للتواصل الدبلوماسي وإيصال الرسالة.
هذه ليست دعوةٌ إلى قتل البلاغة، بل إلى وضعها في موضعها الصحيح. وحتى في الكتابة الصحفية، حيث تتَّسع دائرة القرَّاء وتتباين مستوياتهم التعليمية واللغوية، تظلُّ البساطة فضيلة؛ فالخبر الصحفي ليس مجالًا لاستعراض قاموس الكاتب، بل إن غايته هي أن تصل المعلومة إلى أكبر عددٍ ممكن من القرَّاء بأقل قدرٍ من الالتباس والغموض. وكلَّما كان الموضوع عامًا ومهمًا، ازدادت الحاجة إلى لغةٍ تفتح الطريق أمام القارئ إلى الفكرة، بدلًا من أن تقيم بينهما حواجزَ لغوية.
وينطبق الأمر نفسُه على المقالات التي تتناول قضايا سياسيةً أو اجتماعية معقَّدة؛ فلا تعارض بين بساطة اللغة وعمق الفكرة، ولا بين الاقتصاد في العبارة وقوة الحجَّة، فالكاتب لا يثبت عمق فكرته بأن يجعل القارئ يبذل جهدًا إضافيًا لفكِّ عباراته، لأن العمق يكمن في الفكرة والحجَّة وترابطهما وقوة الاستدلال، لا في ندرة الكلمات أو غرابة التعبير.
ويسري الكلام أيضًا على الأدب، ويكفي أن نستحضر هنا تجربة الطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال”؛ فلغة الرواية، على ما فيها من جمالٍ وإحكام، بسيطةٌ ومباشرةٌ ورشيقةٌ في جملها وفي حدود الفكرة من غير ترهُّلٍ أو تقعُّرٍ أو استعراضٍ أو تعقيدٍ لغوي، بل تتقدَّم فيها الفكرة والحبكة وبناء الشخصيات. ومع ذلك، استطاعت الرواية أن تترك أثرًا أدبيًا عميقًا، وأن تحجز لنفسها مكانًا راسخًا في الأدب العربي وتجد الرواج والاستحسان. وهذا يُبيِّن أن عمق المحتوى وقوة البناء لا يحتاجان بالضرورة إلى لغةٍ متكلَّفة أو متقعِّرة.
ويمكن تشبيه ذلك بالغناء؛ فالحِلْيَة الصوتية والعُرَب والزخارف تضيف إلى الأداء حين تأتي في موضعها وبقدرها، لكن الإفراط فيها قد يلفت الأذن إلى الزخرفة ويصرفها عن اللحن. وقد يكون الفنان صاحبَ صوتٍ جميل وقدرةٍ عالية، لكنه يفسد بعض أدائه حين يبالغ في الحِلْيَات، فيصبح ما يفترَض أن يزيِّن الأداء سببًا في تشتيت الانتباه عنه.
واللغة كذلك؛ فقد يكون اللفظ صحيحًا فصيحًا، والمتحدِّث واسع الاطّلاع على التراث ومتضلِّعًا في اللغة، لكن ذلك كلَّه لا يشفع له إذا لم تكن العبارة في خدمة المعنى الذي أراد إيصاله.
وبحكم اهتمامي باللغة والترجمة، أرى أن المسؤول الذي يلقي كلمةً بالعربية في المحافل الدولية، وخاصةً الأمم المتحدة، ينبغي له، متى كان ذلك ممكنًا، أن يُزوِّد المترجم مسبقًا بنسخةٍ مكتوبة بالإنجليزية، أو باللغة ذات الصلة بالمحفل المعنيِّ. وليس في ذلك انتقاصٌ من قدر المترجم الفوري، بل هو احترامٌ لطبيعة عمله وحرصٌ على دقَّة الترجمة. بل إنني أرى أن المترجمين سيجدون في ذلك تقديرًا لعملهم؛ فالمترجم الفوري يعمل تحت ضغط الوقت، ولا يملك رفاهية الرجوع إلى معجمٍ أو كتابٍ تراثي، أو البحث عن أصل مثلٍ عربي في أثناء انتقال المتحدِّث من جملةٍ إلى أخرى.
قد تكون العبارة محلَّ النقاش بليغةً وذات حمولةٍ تراثية عميقة، وقد يكون استدعاؤها مقصودًا لإضفاء قوةٍ رمزية على الخطاب؛ غير أن الخسارة، في تقديري، كانت أكبر من الفائدة؛ فربما كسب المتحدِّث لحظةً من الإبهار، لكنه خسر شيئًا من معركته الأساسية، وهي إيصال الرسالة بوضوحٍ، حين انتقل جزءٌ من انتباه المتلقِّي من مضمون الخطاب إلى فكِّ شيفرة العبارة والبحث عن أصلها ودلالتها، لتتحوَّل البلاغة بذلك من جسرٍ إلى المعنى إلى حاجزٍ يحول دونه.