خالد محمد أحمد
حين كتب المفكِّر الكيني نغوجي واثيونغو كتابه الشهير (Decolonising the Mind: the Politics of Language in African Literature)، كان يلفت النظر إلى الوجه الآخر للاستعمار؛ ذلك الذي لا ينتهي بالضرورة بخروج المستعمِر من الأرض، بل يستمرُّ في اللغة والثقافة والتعليم والأدب، وفي الطريقة التي يرى بها المستعمَرُ نفسه والآخر، وفي الصور التي تتشكَّل داخل مخياله الجمعي.
لا يكتفي الاستعمار في تصوُّر واثيونغو بالسيطرة على الأرض والاقتصاد، بل يمتدُّ إلى إعادة تشكيل الوعي بحيث ترتبط لغةُ المستعمِر وثقافته ومعاييره بمفاهيمَ مثل الحضارة والتعليم والحداثة، بينما تُدفَع اللغة والثقافة المحليتان إلى الهامش. ومن هذا المنظور، يأتي مفهوم “تحرير العقل” المتمثِّل في استعادة المجتمعات حقَّها في تعريف ذاتها، واستخدام لغاتها، والاحتفاء بثقافاتها ورموزها بعيدًا عن معايير المستعمِر وصوره عن الإنسان المتحضِّر.
إذا أسقطنا هذا المفهوم على الحالة السودانية، فإنه يتيح زاويةً يمكن النظر من خلالها إلى أحد أبعاد ما يمكن تسميته “مشروع الجنجويد” باعتبار أنه يتجاوز السعي إلى السيطرة على الدولة أو انتزاع السلطة إلى صراعٍ على إعادة تعريف المركز الثقافي والاجتماعي، وعلى الصورة التي يُراد لها أن تصبح نموذجًا لـ”السوداني” في الصورة الذهنية العامة.
على أنني أستخدم كلمة “مشروع” في هذه القراءة بشيءٍ من الحذر، إذْ لا يعني ذلك بالضرورة وجود خطةٍ مركزية مكتوبة أو غرفة عملياتٍ تدير كلَّ هذه التفاصيل، فقد تتحرَّك عناصرُ مختلفةٌ في الإعلام والتعبئة والخطاب السياسي والثقافي والصورة العامة كلٌّ على حِدة ثم تتقاطع بحُكم تشابه المصالح والرسائل، فتنتج اتجاهًا واحدًا وأثرًا رمزيًا يتجاوز أحيانًا النيَّات المباشرة لكلِّ عنصرٍ منها.
وإذا كان المستعمِر في قراءة واثيونغو يفرض لغتَه وذائقته ومعاييره وصورته عن الإنسان المتحضِّر، فإن صورة “النيلي” في بعض الخطابات الجنجويدية يمكن أن تؤدِّي وظيفةً شبيهةً من حيث إسهامها في تفكيك النموذج الثقافي الذي ارتبط في الوعي العام بالمركز، والذي احتكر في نظر تلك الخطابات تعريف السوداني المتحضِّر والمثقَّف والمديني.
وبذلك لا يصبح إسقاط سلطة “دولة 56” السياسية كافيًا وحدَه لإسقاط الطبقة الأعمق من هذا النموذج؛ فاللغة والذائقة والرموز والسِّمات الجمالية والثقافية يمكن أن تظلَّ حاضرةً في إعادة إنتاج المركز ومنحه شرعيتَه الرمزية.
ولا ينفي هذا التحليل بطبيعة الحال الأجندات الإقليمية والدولية التي تداخلت مع العدوان، ولا المصالح والطموحات الخاصة بالجنجويد وتقاطعاتها مع تلك الأجندات، بل يحاول النظر إلى ما أتاحه العدوان من مساحةٍ لصراعٍ آخر يتمثَّل في إزاحة المركز النيلي ثقافيًا واجتماعيًا، وإنتاج صورةٍ بديلة للسوداني، ونقل مركز إنتاج الصورة الاجتماعية والرمزية من المركز التقليدي إلى الجماعات المرتبطة بالجنجويد.
تتداخل في هذه العملية مستوياتٌ عدَّة، من بينها اللغة وما تحمله من مفرداتٍ ولهجاتٍ، والصوت والموسيقى، والصورة والمظهر، ثم المكانة الاجتماعية والرموز. ويمكن أن يبدوكلُّ مستوىً من هذه المستويات منفصلًا، لكن اجتماعها قد ينتج صورةً مختلفة للجماعة وموقعها في المجتمع.
من الكلمة إلى الوعي الجمعي
أدخل العدوانُ إلى وسائل التواصل الاجتماعي وإلى الحديث اليومي مفرداتٍ وعباراتٍ ارتبط كثيرٌ منها بخطاب الجنجويد، وأخذ السودانيون يتداولونها على سبيل السخرية، لكن السخرية قد تكون وسيلةً للانتشار؛ فالكلمةُ التي تدخل النكتة أو المقطع المصوَّر أو “الميم” تفقد تدريجيًا جزءًا من خصوصيتها الاجتماعية والجغرافية، وتصبح قابلةً للتداول خارج السياق الذي خرجت منه.
ويكفي أن تُسمَع المفردة واللهجة مرارًا حتى تدخل حيِّز التداول العام. وقد أسهم العدوان في تعريض المجال العام بدرجةٍ غير مسبوقة لبعض اللهجات المرتبطة بالجنجويد، فنقلها من نطاقاتها الاجتماعية والجغرافية المحدودة إلى فضاءٍ أوسع، وجعلها جزءًا من المسموع اليومي للأذن السودانية. وبهذا يتدرَّج الأثر من الكلمة إلى الذائقة، ومن الذائقة إلى الصورة والرمز، ومنهما إلى الوعي الجمعي.
وقد أسهم أسلوب خطاب حميدتي بما فيه من قدرةٍ على الإيحاء بالعفوية والسخرية وخفَّة الظلِّ إلى جانب تكرار عباراته وقفشاته في ترسيخ بعض هذه المفردات. كما أسهمت السخرية منه أحيانًا في نشر قاموسه ونقل بعض مفرداته من سياق خطابه إلى المعجم العام.
غير أن اللغة لا تتغيَّر بين عشيَّةٍ وضحاها حتى لو آلت الغلبة السياسية والعسكرية إلى الجنجويد؛ فاللغة أعمق من السلطة المباشرة. ما يهمُّ هنا هو رصد الاستحثاث والتكرار، لا افتراض نجاحهما، ولا افتراض قدرتهما بمفردهما على تغيير الاستعمال اللغوي السائد.
الذائقة والصورة
في مستوى آخر، تظهر الموسيقى والهتافات والجَلالات والرقصات وبعض أنماط الأداء المرتبطة بالتعبئة، التي تختلف في بعض مظاهرها عن أنماط الأداء الموسيقي الشائعة في الوسط النيلي وفي العسكرية التقليدية. ومن ذلك تكثيف اتِّباع أنماط البيادة بالمردوم في التدريب العسكري، واستخدام أنماطٍ لحنيةٍ سباعية الدرجات في المقاطع التعبوية. ولا تقتصر دلالة هذه الاختيارات على الجانب الفني أو الإيقاعي، إذْ إن استخدام مقاطعَ وأداءاتٍ تعبوية عربيةَ المصدر من خارج السودان يمكن أن يحمل في سياقه السياسي والثقافي قدرًا من التنكُّر للمركز السوداني النيلي، أو الإيحاء بمسافةٍ ثقافية عنه، بل وقد يوحي على نحوٍ غير مباشرٍ بتقديم هُويَّةٍ عربية أكثر التصاقًا بالفضاء العربي من تلك التي يُمثِّلها المركز النيلي التقليدي. وبذلك تصبح الموسيقى، مثل اللغة والشعارات، جزءًا من بناء الرسالة السياسية والهُويَّة التي تريد التعبئة أن تُظهرها.
ولا يعني استخدام هذه الأنماط أنها اختراعٌ لهذه البيئة؛ فهذا النوع من النغمات والرقصات أصيلٌ في غرب السودان ومنطقة الساحل، ويرتبط بتقاليدَ موسيقيةٍ محليةٍ قديمة؛ غير أن تكرار توظيف هذه الأنماط وتكثيفها في سياق التعبئة يمنحها وظيفةً هُويَّاتية، إذْ يمكن أن تتحوَّل من تعبيرٍ عن تراثٍ محلي إلى أداةٍ لإزاحة أنماطٍ تعبويةٍ وعسكريةٍ ذات طابعٍ جامع، وإحلال هُويَّةٍ قبليةٍ وجهويةٍ محلَّها داخل المؤسسة العسكرية وفي المجال العام.
وينطبق شيءٌ قريبٌ من هذا على محاولة نزع صفة الاحتكار الرمزي عن بعض الأسماء الأدبية والثقافية المرتبطة بالمركز النيلي؛ ففي كتابات الدكتور الوليد مادبو عن “صناعة الرموز” يظهر نقدٌ لرموزٍ مثل الطيب صالح وعبد الله الطيب في سياقٍ أوسع يسعى إلى كسر احتكار المركز إنتاجَ الرموز وفتح المجال أمام رموزٍ بديلة من الهامش.
وأميل إلى أن هذا الخطاب يلتقي موضوعيًا مع ظواهرَ ثقافية أخرى، مثل تنامي ظاهرة “الزَّنِق” بما تحمله من اختلافٍ في صورة الغناء وأسلوبه ومحتواه وهيئة مُؤدِّيه، وما يمكن أن يترتَّب عليها من إعادة ترتيبٍ للذائقة والصورة في المجال العام.
أما الصورة الأكثر مباشرةً، فتظهر في المشهد البصري للمقاتل الجنجويدي من خلال مظهرٍ يتمايز عن صورة الجندي النظامي بإطالة الشعر وتضفيره أو تجعيده وما يصاحب ذلك من هيئةٍ وملامحَ مختلفة. وحين تجتمع هذه العناصر مع الجَلالات والهتافات واللهجة، فإنها تنتج هُويَّةً بصريةً وصوتيةً تستدعي صورة الفارس والمحارب العربي، وتجعل الجسد والزيَّ والمظهر جزءًا من صراعٍ أوسع حول الرجولة والشجاعة والهيبة، وبذلك يتحوَّل الاختلاف في المظهر من مجرَّد تباينٍ شكلي إلى جزءٍ من منافسةٍ بين صورتين للرجل السوداني وموقعه ومكانته في الوعي العام.
وتتقاطع هذه الصورة أيضًا مع بعض النقاشات السودانية في مواقعَ مثل “سودانيزأونلاين”، حيث حاول بعض المشاركين إبراز وسامة أبناء الماهرية في محاولةٍ لإعادة ترتيب بعض معايير الجمال والهيبة؛ فينتقل الرجل القادم من بيئة الهامش والفروسية في هذه الصورة إلى موقع الإعجاب والوجاهة كسرًا للصورة النمطية. ولا تمُثِّل هذه النقاشات في حدِّ ذاتها دليلًا على وجود خطةٍ مدروسة، لكنها تكتسب دلالةً أكبر حين تُقرَأ ضمن مجموعةٍ أوسع من التحوُّلات التي تمسُّ الصورة والذائقة والمكانة الاجتماعية.
من الثروة إلى المكانة
هناك مستوى آخر يتعلَّق بالاقتصاد والمكانة الاجتماعية؛ فقد سبقتَ العدوانَ قوةٌ اقتصادية لشبكاتٍ ارتبطت بالجنجويد وبمناطق الهامش عمومًا، مُستفيدةً من السيطرة شبه الكاملة على مراكزَ تجاريةٍ وأسواقٍ مهمَّة.
غير أن امتلاكَ الثروة لم يكن في السابق كافيًا لتحويلها إلى نفوذٍ سياسي واجتماعي واسعٍ قادرٍ على منافسة المركز في إنتاج المكانة والرموز؛ فالتجارة والثروة في السودان ظلَّت إلى حدٍّ كبير مرتبطةً بالنخب الحضرية التي شكَّلت قلب المركز، وكانت المكانة الاجتماعية تساعد بدورها في إعادة إنتاج صورة من يملك النفوذ ومن يستحقُّه.
ومع صعود الجنجويد قوةً عسكرية تمتلك مواردَ ماليةً وشبكاتٍ اقتصاديةً مستقلَّة، اجتمعت الثروة مع قدرٍ من السلطة والنفوذ، فأصبحت الموارد الاقتصادية تملك قدرةً أكبر على التحوُّل إلى نفوذٍ اجتماعي ورمزي، وإلى حضورٍ أوسع في المجال العام أتاح إنتاج رموزٍ وصورٍ جديدة للمكانة والهيبة.
من الظواهر المتفرقة إلى اتجاهٍ واحد
إذا جُمِعت هذه المستويات، من اللغة والموسيقى والذائقة والصورة والرموز والمكانة الاجتماعية، تتجمَّع ظواهرُ متفرقةٌ قد تتقاطع لتتجاوز الصراع على السلطة السياسية إلى صراعٍ على من يملك حقَّ تعريف “السوداني النموذجي” في المخيال العام.
ومن منظور نغوجي واثيونغو، تكتسب هذه القراءة أهميتَها من فكرته بشأن استمرار الصراع في اللغة والثقافة والذائقة والرموز، مع التحفُّظ على عدم التطابق بين التجربتين؛ إذْ يمكن أن تُقرَأ بعضُ تجليَّات الخطاب الجنجويدي على أنها محاولةٌ لإعادة ترتيب معايير الثقافة والجمال والرجولة والمكانة، وإنتاج صورٍ ورموزٍ جديدة للهُويَّة السودانية وموقعها الاجتماعي.
غير أن انتشار هذه المفردات والصور والرموز لا يعني بالضرورة نجاحها في إزاحة ما سبقها؛ فالمنظومة الرمزية الجمعية أشدُّ مقاومةً لتغيُّر موازين القوة، ولا تتغيَّر بمجرَّد تغيُّر هذه الموازين إلا إذا صاحب ذلك تحوُّلٌ ديمغرافي هائلٌ وقسريٌّ ومفاجئٌ يعيد تشكيل الكتلة الاجتماعية في المركز وامتداداته كما حدث في الجنينة والفاشر.
13 سبتمبر 2026