الجنجويد، مُشْكَاكَة بَلَا هَبِلْ

محجوب فضل بدري

لم تكن مليشيا آل دقلو الإرهابية قد أطلقت طلقتها الأولى في حرب الكرامة بَعد، عندما وقف مسؤول كبير من إقليم دارفور محسوب على حزب الأمة وقال في خطاب جماهيري على الهواء مباشرةً : أن على أهل دارفور الاستعداد لاستقبال (إخوانهم) من الخرطوم والذين قريباً ما سينزحون اِليهم هرباً من الصراع !! وذلك بعد أن نَوَّه بفخر بما كانت عليه دارفور من استقلال بعد سقوط السودان في يد المستعمر في كل الجوانب، سلطنة كاملة الدسم لها علمها وعُمْلَتها !! وبعد اندلاع الحرب حاول البعض أن يربط كلام الرجل بعلمه بالحرب لكنه نفى ذلك !! وغير بعيد من ذلك التاريخ زارني وزيران سابقان وقالا لي أن الوالي السابق فلان المقرب من حميدتي قد قال لهما أن الأوان قد حان لتحكم قبيلته السودان فقد حكم الجلابة طويلاً !! . وثلاثتهم لا ينتمون إلى المؤتمر الوطني ولا إلى الكيزان. وأُمُسِكُ عن ذكر الأسماء فالمجالس بالأمانات.

لم يمر وقت طويل حتى أطلقت مليشيا عيال دقلو طلقة الحرب الأولى بعد أن احتلت مطار مروي قبل ذلك بيومين، وعاثت في الخرطوم ثم في الجزيرة فساداً تقشعر منه الأبدان فتحققت نبوءة الرجل في شقٍّ منها إلا أن أهل الخرطوم والجزيرة لم ينزحوا إلى دارفور، التي تلقَّفت أسواقها منهوبات منازل الجلابة بل وحتى الحرائر، أو (سبايا) الخرطوم، اللائي ساموهن سوء العذاب وعرضوهن في سوق النخاسة بيعاً وشراءً واغتصاباً !!

ونَظَر ناظر القبيلة إلى الغنائم فَطَرِبَ لذلك وزعم في لحظة غرور بأنهم قادرون على (طَي) الخرطوم في دقائق !! وعندما حمي الوطيس هرب إلى دولة مجاورة خوفاً من بطش المليشيا التى أذلته وطالت يدها بيت الناظر !! ولم توفر المليشيا أي صديق لها لا يحمل الدماء الزرقاء أو من أولاد المصارين البيضاء !!

امتدت يد الغدر إلى مضارب الشيخ موسى هلال في بادية مستريحة وهو الذى كان يرى أمام عينيه حصار الفاشر وصمود أهلها الأسطوري الذي دفعوا فيه أرواحاً غاليه ودماءً قانية،حتى تمكنت المليشيا بعد أكثر من ثلاثمائة معركة من دخول مُخزٍ إلى الفاشر واستباحتها وقتلت أهلها على الهوية، وشيخ موسى لا يحرك ساكناً، حتى أمسكت نيران الغدر والخيانة بثيابه، ونهبت الملشيا أثواب وبطاطين أهله وأُخرج الشيخ من استراحته الهادئة في مستريحة، خائفاً يَتَرَقَّب ولم يَسترِح حتى بلغ مدينة الدبة التي أحسنت وفادته مثلما استقبلت من قبله جموع النازحين الناجين من مجزرة الفاشر . وهكذا فإن ما تنبأ به الرجل قد تحقق وإن كان بعضها على العكس من نبوءته!! وعندما دارت الدائرة فإن النور (قبة لاذ بالدبة) إذ لم يجد سبيلاً للنجاة من بطش (الدقاقي) كما أسماه أو طاحونة كما أُشتهر فى الوسائط – والدقاقي أدنى مرتبةً- لم يجد ملاذاً إلا في الانضمام إلى الجيش وأن ييمم وجهه شطر الشمال. وفى الغالب فإن الدبة ستكون وُجهةً لآخرين ممن ضاقت بهم الحال من عسف المليشيا التي (شالوا وش القباحة) نيابة عنها وقاتلوا في صفوفها بوحشية ولا نقول بشجاعة، لأن الشجاع لا يعتدي على العزل من الرجال والنساء والشيوخ ولكن المليشيا فعلت كل ذلك، حتى حذفت الناسُ مفردةَ الأشاوس من قاموسها وإن صَحَّت في وصف الرجال الذين لا تنقصهم الشجاعة ولكن!!

وقد أسفرت المليشيا عن وجهٍ قبيح وأظهرت عداءً صريحاً لأهل الشمال وشاركهم البعض من الذين لم يلبثوا إلا وأن توجهوا نحو الشمال لائذين به فلم يجدوا من أهله إلا كل ترحيب وإكرام وهذه خصيصة ثابتة فيهم. حياهم الله وحيا جيشنا .

الشاهد أن مليشيا عيال دقلو أو بالأحرى عائلة دقلو تستأثر بكل المغانم، ولا تترك حتى الفُتات لمن انضموا إلى صفوفها من غير خشم بيتهم، فاستهانت بالقبائل التي وفرت لهم الحاضنة الآمنة ومثلت لهم الحصن الحصين!! وأمَدَّتهُم برجال حتى صاورا أكثر نفيراً ثم انفض سامرهم وتفرقوا أيدى سبأ. ضمت العجوز أحفادها اليتامىٰ إلى صدرها وهي تبكي على ولدها المتوفَىٰ (أبوهم) تنوح وهى تقول [ أَحَّىَّ يا وليداتي تِليتُو مُشْكَاكَة بلا هَبِل ].

للشرح: لمن لا يعرف (المُشكاكة) يعنى المِكنسة أو المُقشاشة التى تُصنع من سيقان الدخن الرفيعة وتُحزم بحبل فإذا انفرط عقدها تشتت . و (تليتو) يعنى صِرْتُم .

وهاهي مقولة العجوز المحزونة تصدق في وصف الجنجويد بعدما عصرهم جيشنا عصراً يَفُرْزَ الزيت من الأُمباز وشافوا منه البل نهاراً جهاراً والجغم والفتك والمتك، ليلاً أو هم قائلون، فأصبحوا كالمُقشاشة بلا حبل.

أو كما قال الأستاذ عبد الماجد عبد الحميد.

وعلى الباغى تدور الدوائر .

Exit mobile version