حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. و السرديات (1-2)
Mazin
العبيد أحمد مروح
دخلت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 اليوم عامها الرابع، ومع إن المعروف في أي حرب هو أن “الحقيقة” هي أول الضحايا، نظراً لكون أي طرف من أطرافها يدير “الرواية والسردية” كجزء من معركة الميدان، إلا أن حرب الخامس عشر من أبريل خالفت كل ماهو معروف، وأتت بما لم تسبقها عليه حرب، ذلك أن وقائعها حدثت أمام أعين الناس، لكن (المجتمع الدولي) وبعض بني جلدتنا يصرون أن تُطمر تلك الوقائع وهي حية، وأن يطويها النسيان بينما لا تزال جراح ضحاياها البدنية والمادية والنفسية تنزف!!
في هذا المقال، وبمناسبة دخول الحرب عامها الرابع، سنحاول التذكير بأهم الوقائع التي برزت خلال ثلاث سنوات مضت من عمرها .. الوقائع التي عاشها الناس ولم يروها عليهم أحد، إذ كانوا عليها شهود عيان، والتي كانت من الوضوح بحيث لا ينبغي أن تخطئها عين مبصرة؛ ونعتقد أن من شأن ذلك أن يسهل على رواة التاريخ أن يميزوا مواقف مختلف الأطراف مما حدث لأهل السودان، وأن ييسر لهم معرفة أين وقف هذا الطرف أو ذاك من مأساتهم وما حاق بهم من أهوال، كما أن من شأن ذلك – كما نعتقد – أن يعيد توجيه بوصلة الدولة والمجتمع عندنا، ليجمعوا أجزاء ما حدث، ويعيدوا ترتيبها، بحيث توضع الصورة الكاملة أمام أنظار التاريخ
أولى الوقائع التي ما زال الناس يتذكرونها جيداً هي أنهم سمعوا تبادلاً كثيفاً لإطلاق النار، بمختلف أنواع الأسلحة، نحو التاسعة من صباح السبت الموافق الخامس عشر من أبريل 2023 ، لكن الذي لم يكن الناس يدركونه وقتها، أنه في ذلك التوقيت، أمضى مستشار قائد الدعم السريع، يوسف عزت الماهري، أكثر من ساعة في مباني تلفزيون السودان بأم درمان يبذل أقصى جهده ليبث على الناس “بيان الإنقلاب التصحيحي”، ولسبب أو لآخر، فشلت عملية إذاعة ذلك البيان عبر أثير أم درمان أو عبر شاشة تلفزيون السودان، على الرغم من تردد يوسف عزت مساء نفس اليوم مرة أخرى، وعلى الرغم من سيطرة قوات الدعم السريع، بشكل كامل على مقر الهيئة، وهذه قصة تستحق أن تـُروى مفصلة في سياق آخر.
والذي لم يكن الناس يعرفونه وقتها أيضاً، أنه قبل أن تنطلق أصوات الرصاص في الخرطوم كانت قوات الدعم السريع قد استولت على قاعدة مروي الجوية، شمالي السودان، وحطمت بعض الطائرات الحربية الموجودة هناك، وأسرت عدداً من الضباط والجنود المصريين الذين كانوا في مهام تدريبية، حيث جرى تسليمهم لاحقاً في الخرطوم بوساطة إماراتية وإعادة الطائرات السليمة وحطام الأخرى إلى مصر، أما الطائرات السودانية في قاعدة الأبيض الجوية فقد تم تحطيمها بالتزامن، وهو ما اعترف به قائد التمرد في أحد خطاباته قبل فترة، ولم تسلم من الاقتحام والتدمير إلا قاعدة وادي سيدنا الجوية!
غير أن الهجوم المتزامن على القواعد ومقار الأسلحة العسكرية، صبيحة الخامس عشر من أبريل، لم يكن قاصراً على القواعد الجوية، وإنما استهدف بالدرجة الأولى كذلك، جميع المقار العسكرية في ولاية الخرطوم بدءاً من القيادة العامة في وسط الخرطوم، ومقر جهاز المخابرات العامة، مروراً بسلاحي المدرعات والذخيرة جنوبي الخرطوم وسلاح الإشارة وقاعدتي الكدرو وحطاب في الخرطوم بحري، وسلاح المهندسين والسلاح الطبي في أم درمان، بعد أن تمّ الاستيلاء فجراً على مجمع اليرموك للصناعات العسكرية واللواء المدرع في الباقير، شمالي ولاية الجزيرة؛ وحين انتصف نهار السبت كانت كل الأسلحة والمقار العسكرية في ولاية الخرطوم تخضع لحصار خانق وقصف مكثف ما عدا قاعدة وادي سيدنا العسكرية والكلية الحربية في أم درمان.
لم تقتصر السيطرة والحصار بواسطة الدعم السريع على الأسلحة والمقار العسكرية، بل امتدت لتشمل المقار السيادية في وسط الخرطوم حيث القصر الجمهوري ورئاسة مجلس الوزراء وبقية الوزارات، فضلاً عن مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في أم درمان كما سبقت الإشارة، واستمرت حالة الحصار والقصف وقطع الإمدادات ومحاولات الاقتحام هذه لعام ونصف العام، توسعت خلالها سيطرة الدعم السريع على الأعيان المدنية، فاستولى على مطابع السودان للعملة وبنك السودان المركزي وفرعه بشرق الخرطوم ومصفاة السودان للذهب ومصفاة الخرطوم للبترول وأكثر من 500 فرعاً للبنوك التجارية، وعلى كل مقار الشركات الخاصة في الخرطوم وأغلب مقار البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، وعلى عددٍ كبيرٍ من منازل المواطنين .. وفي كل هذا، كان الدعم السريع يستولي على المحروقات والذهب والأموال بمختلف العملات، سواء الموجودة في خزائن المصارف العامة والخاصة أو في الشركات أو في منازل المواطنين، ويستولي على مختلف أنواع السيارات وعلى الأدوية الموجودة في مخازن الشركات ومصانع الأدوية وفي الصيدليات.. باختصار، كل الذهب والمصوغات، كل الأموال بمختلف العملات، كل الأدوية، كل الامداد بالوقود، كل المتحركات، الموجودة في ولاية الخرطوم !!
ومنذ اليوم الأول للحرب، بدأ الدعم السريع حملة اختطاف وإخفاء قسري منظمة، بدأها بضباط الجيش ممن هم في الخدمة واتسعت الدائرة لتشمل الضباط المعاشيين من منسوبي الجيش والشرطة وجهاز المخابرات، واتسعت أكثر لتشمل المدنيين ممن يشك الدعم السريع وحلفاؤه في ولائهم للقوات المسلحة أو من السياسيين الذين عُرفوا بمعارضتهم لقوى الحرية والتغيير وللدور الإماراتي في السودان، ولم تمض إلا أشهر معدودة حتى بلغ عدد المختطفين والمخفيين قسرياً الآلاف، مات بعضهم في المعتقلات السرية وأفرج عن بعضهم بالفدية، وفقد بعضهم صوابه فهام في الطرقات، وتم ترحيل بعضهم لاحقاً إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور وبقي المئات حتى تحرير الخرطوم فرآهم الناس هياكل عظمية على شاشات القنوات الفضائية!!
النهب المنظم والسطو المسلح والتخريب الممنهج لم يقتصر على الذهب والأموال والأدوية والوقود والمتحركات، وإنما امتد ليشمل النحاس في محولات الكهرباء في كامل ولاية الخرطوم وفي كوابل التوصيل حتى داخل منازل المواطنين، وليشمل المتاحف والمكتبات الخاصة والعامة والمستشفيات والمعامل البيطرية وخرائط الجيولوجيا ومحطات المياه، ومخازن السكر والدقيق ومحلات الأدوات الكهربائية والأثاث المنزلي، وامتد النهب ليشمل الأثاث المستعمل والأجهزة الكهربائية في منازل المواطنين.
وحين استعصت السيطرة على مقرات الجيش السوداني في ولاية الخرطوم بنهاية الأسبوع الأول من الحرب، وبدأت البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية في إجلاء رعاياها، أدرك الدعم السريع ورعاته أن مشروعهم الأساسي قد فشل، فدبروا عملية إقتحام السجون، وأخرجوا نحواً من 13 ألف شخص من سجون ومعتقلات الولاية، وعلى رأسها سجن كوبر وسجن أم درمان وسجن سوبا، بينهم نحو 6000 معتاد إجرام أو محكوم بالإعدام، وبينهم كذلك محتجزون في معتقلات جهاز المخابرات العامة بتهم الإرهاب والجريمة العابرة، وعلى إثر ذلك بدأت عملية استباحة الخرطوم .. يدخل منسوبو الدعم السريع إلى البيوت طلباً للذهب والأموال وكل ما هو ثمين، ويتعمدون إذلال الرجال والنساء بشتى أنواع الإهانة، بما في ذلك الاغتصاب، ومَن يقاوم أو يعترض حتى، يلقى مصرعه في الحال برصاص الغزاة، ثم تترك أبواب البيوت مفتحتة للنهَّـابة، وقد تسبب ذلك في بث الذعر والخوف لدى الملايين من سكان ولاية الخرطوم فغادروها مكرهين تاركين بيوتهم بما حوت، إلى ولايات الجوار، جنوباً وشمالاً، أو إلى دول جوار السودان، على أمل العودة في أجل قريب.
بنهاية الشهر الثامن الحرب، وبعد أن أُفرغت الخرطوم من غالب أهلها ومن ثرواتها، حيث نـُقلت الثروات المنهوبة و “السبايا” إلى غرب السودان وإلى جواره الغربي، إتجه الدعم السريع نحو ولاية الجزيرة فدخل عاصمتها ودمدني دون قتال يذكر، وفعل فيها ما فعله في الخرطوم، وإثر ذلك فـرَّ منها أغلب أهلها، ومَن وفدوا إليها من ولاية الخرطوم نحو المدن الآمنة في ولايات شرق السودان، و واصل بعضهم الهروب إلى إثيوبيا وإريتريا ومصر، حيث قـدّرت الأمم المتحدة جملة أعداد النازحين واللاجئين بنحو 13 مليون سوداني، تركوا كل شيء وراءهم، بما في ذلك خدمات التعليم والصحة، وخرجوا يبحثون عن الأمان قبل المأوى والمأكل، فتوقف الإنتاج وتوقفت التجارة وكل سبل كسب العيش.
القتال داخل صفوف الدعم السريع في ولاية الخرطوم و الولايات الأخرى التي تمدد إليها، لم يقتصر على أبناء ما أصبح يُعرف بـ”الحواضن”، بل شمل تجنيد معتادي الإجرام والارهابيين الذين تم إطلاق سراحهم من السجون، ثم اتسعت دائرة التجنيد وسط المقاتلين السابقين من دولة جنوب السودان ومن الإثيوبيين حين احتاجت المليشيا إلى القناصة ومستخدمي الأسلحة النوعية التي وصلت إليها، واتسعت الدائرة أكثر خلال سنوات الحرب الثلاث لتشمل مرتزقة من غرب أفريقيا ومن كولومبيا، وتعددت وظائف المرتزقة لتشمل التدريب النوعي واستخدام المسيرات فضلاً عن القتال المباشر كما شاهده الناس في الفاشر، وقد قدّرت تقارير إعلامية أن نسبة المرتزقة المقاتلين وسط قوات الدعم السريع وصلت إلى 65% حين تجاوز عمر الحرب العامين.
وخلال سنوات الحرب الثلاث، تبين للعالم أن حديث المسؤولين السودانيين ، منذ الوهلة الأولى، عن أن بلادهم تخوض حرباً على سبع جبهات في ذات الوقت الذي يتصدى فيه جيشها – لأول مرة في تاريخه – لحرب مدن داخلية بالغة التعقيد، حديثاً للدعاية الحربية، فقد تبين أن دعماً لوجستياً متصلاً، بشتى أنواع الأسلحة والعتاد والمرتزقة، ظل يتدفق عبر البحر والبر والجو من الإمارات ومن بلغاريا ومن ليبيا عبر تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان ويوغندا واثيوبيا، بل سمحت هذه الأخيرة ببناء معسكر ضخم قرب حدودها مع السودان لتدريب مقاتلين من ثلاث جنسيات ليقاتلوا في صفوف الدعم السريع، وقد أقرّ مستشار رئيس دولة الإمارات، الدكتور عبد الخالق عبد الله في حوار مؤخراً مع مقدمة بودكاست “الحـل إيـه؟” أن بلاده ليست وحدها التي تحارب السودان وتستهدف جيشه، وإنما تتشارك الإمارات في ذلك مع إثيوبيا وكينيا ويوغندا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد، كما وقفت الصحافة الدولية التي زار مندوبوها الخرطوم بعد تحريرها، على مضبوطات الأسلحة الإماراتية، بكامل علاماتها، بعد هزيمة الدعم السريع وخروجه تاركاً وراءه كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد والذخائر في صناديقها الإماراتية داخل منازل المواطنين !!
السمة الأبرز للعام الذي سيطر فيه الدعم السريع على ولايات الجزيرة وسنار(2024)، لم تكن هي فقط النهب والسلب والسطو على المتلكات العامة والخاصة، في ولايتين هما من أغنى ولايات السودان، ولا هي تخريب البنى التحتية للمشروع الزراعي الأكبر في العالم وسرقة وتخريب بنك الجينات الزراعية فيه، ولا هي سرقة وتدمير ثلاثة من مصانع السكر هي الجنيد وعسلاية وسنار، ولكنها كانت فوق ذلك “القتل الجماعي والتصفية الجسدية” بشكل وحشي للمدنيين، لقمع كل أشكال المقاومة الشعبية وإرهاب الناس، فكانت مجازر قرى السريحة و ود النورة وحصار الهلالية وغيرها مما بلغ عدد ضحاياها الآلاف، ومما وثقته حسابات أبناء ولاية الجزيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما في دارفور وكردفان، فالحديث عجب، هناك تمت تصفية المساليت في الجنينة وفي أردمتا في شهر الحرب الرابع، وهناك جرى حصار الفاشر لأكثر من عام تحت بصر العالم كله، وعلى رأسه مجلس الأمن الدولي، وهناك تم إقتحام واحتلال معسكرات النازحين في زمزم وأبوشوك، وهناك تم حصار بابنوسة وكادقلي والدلنج، وحينما نتحدث عن الحصار فنحن نتحدث عن التجويع الممنهج والقصف المستمر وحرمان المدنيين من وصول الدواء، ثم تكرار الهجوم واقتحام المدن.. ولئن عرف الناس ما حدث في الفاشر من إبادة جماعية ممنهجة، وتصفية عرقية للآلاف من أبناء المدينة، كون العالم الذي كان يتفرج على المأساة كان يصور ما يحدث فيها بالاقمار الاصطناعية، فإن ما حدث في بابنوسة لا يعرف عنه الناس إلا النذر اليسير..