رأي

التحول الرقمي كرافعة لإعادة الإعمار الاقتصادي السوداني

د. مروة قباني

تمر الدول الخارجة من النزاعات بلحظة فاصلة تتطلب أكثر من إعادة بناء البنية التحتية المادية؛ فهي تحتاج إلى إعادة بناء الاقتصاد والدولة على أسس حديثة. وفي هذا السياق، يبرز التحول الرقمي والمحافظ الاستثمارية المتخصصة كأهم روافع إعادة الإعمار الاقتصادي وتحويل الأزمات إلى فرص تنموية.

المحافظ الاستثمارية: من التمويل إلى الإنتاج

تمثل المحافظ الاستثمارية أدوات استراتيجية لتوجيه التمويل نحو القطاعات ذات الأولوية الوطنية مثل الزراعة والصناعة والتعدين والخدمات الرقمية.

وهي تختلف عن التمويل التقليدي في أنها تستهدف خلق قيمة مضافة، إحلال الواردات، وتعظيم الصادرات، بدلاً من الاكتفاء بتمويل النشاط التجاري قصير الأجل.

ويمكن للسودان إطلاق محافظ متخصصة لإعادة الإعمار الصناعي، النهضة الزراعية، الأمن الغذائي، الاقتصاد المعدني، والتحول الرقمي والمدن الذكية، بما يحول التمويل إلى مصانع ومزارع ومنصات إنتاج حقيقية.

التحول الرقمي: محرك إعادة الإعمار الحديث

لم يعد التحول الرقمي ترفاً تقنياً، بل أصبح محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمار، فهو يقلل البيروقراطية، يعزز الشفافية، يسرّع الخدمات الحكومية، ويدعم الشمول المالي والتجارة الإلكترونية وسلاسل التوريد الذكية.

كما تمثل الحوكمة الرقمية أداة فعالة لمراقبة مشاريع إعادة الإعمار وضمان كفاءة الإنفاق، وهو ما يعزز ثقة المانحين والمستثمرين.

تجارب الدول:

تُعد كوريا الجنوبية نموذجاً عالمياً في التحول الرقمي، حيث صنّفت ضمن الدول الرائدة في الحكومة الإلكترونية وفق تقارير الأمم المتحدة، وأصبح الاقتصاد الرقمي أحد أعمدة نموها الصناعي والتقني.

أما رواندا، فقد استخدمت الرقمنة لإعادة بناء الدولة بعد الحرب الأهلية، واستثمرت في الحكومة الإلكترونية والبنية الرقمية، ما جعلها من أسرع الدول الإفريقية نمواً في الخدمات الرقمية وجذب الاستثمارات التقنية.

تؤكد هاتان التجربتان أن الرقمنة ليست قطاعاً منفصلاً، بل سياسة دولة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.

مقارنة استراتيجية: بين السودان والدول العربية

في العالم العربي، تمثل المملكة العربية السعودية نموذجاً للتحول الرقمي الاقتصادي، حيث بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وحققت تقدماً كبيراً في الحكومة الرقمية والمدن الذكية.

في المقابل، لا تزال مساهمة الاقتصاد الرقمي في السودان محدودة، والخدمات الحكومية الرقمية في بداياتها، والمدن الذكية شبه غائبة.

الدرس الاستراتيجي: التحول الرقمي قطاع اقتصادي مستقل ومحرك للنمو وليس مجرد مشروع تقني.

المدن الاقتصادية: جغرافيا الإنتاج الجديدة

لا تكتمل رؤية إعادة الإعمار دون مشروع وطني للمدن الاقتصادية المتخصصة.

فالمدن الصناعية يمكن أن تضم مجمعات إنتاج ومناطق حرة ومراكز تدريب، بينما المدن الزراعية تربط الإنتاج بالتصنيع والتخزين والتصدير.

أما مدن الذهب والمعادن، فهي فرصة لتوطين القيمة المضافة ومنع التهريب عبر مصافي وبورصات ذهب ومنصات رقمية لتتبع الإنتاج.

وتكمل المدن السكنية الإنتاجية هذه المنظومة عبر توطين العمالة بالقرب من مواقع الإنتاج.

نحو نموذج سوداني لإعادة الإعمار الذكي:

يمتلك السودان ميزات تنافسية ضخمة في الزراعة والمعادن والموقع الجغرافي والقوة البشرية، لكن تحويل هذه الميزات إلى قوة اقتصادية يتطلب نموذجاً جديداً يقوم على:

• محافظ استثمارية متخصصة.

• بنية رقمية للدولة والاقتصاد.

• مدن إنتاج متكاملة.

• شراكات تمويل محلية ودولية.

• حوكمة رقمية شفافة.

في الختام:

تؤكد تجارب الدول مثل كوريا ورواندا والسعودية أن التحول الرقمي مع المحافظ الاستثمارية يمكن أن يصنع قفزة اقتصادية غير تقليدية،

فإعادة الإعمار الحقيقي ليست إعادة بناء المباني فقط، بل إعادة بناء الدولة على أساس رقمي إنتاجي.

وبالرقمنة تُدار الاقتصادات الحديثة، وبالمحافظ الاستثمارية تُبنى الصناعات، وبالمدن الذكية تُصنع نهضة القرن الحادي والعشرين، فعلي السودان أن يركز على إعادة الإعمار والتنمية في ظل الآقتصاد الرقمي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى