“البِرِش” السوداني.. مائدة رمضان الصامدة في زمن الحرب

في قلب الخرطوم التي تنفض غبار الحرب عنها، وقبل أذان المغرب بدقائق، يمتد “البِرِش” في الشوارع الجانبية متحديا الحصار والجراح.

هنا، يتكاتف الجيران لتجهيز مائدة الإفطار الجماعي؛ يفترشون الأرض ليعيدوا إحياء تقاليدهم الأصيلة. بين أصوات الأواني ودعوات المارة، نروي قصة أحياء ترفض الانكسار، متمسكة بخيط التكافل الذي يجمع الفقير والغني، والنازح والمقيم، على مائدة واحدة.

يقول عوض الله محجوب، أحد سكان حي بحري، للجزيرة مباشر “إن مفهوم البرش يرتبط أساسا بالضيف وعابر السبيل؛ فمن النادر أن تجد سودانيا يفطر داخل بيته في رمضان، والهدف دائما هو إطعام من تأخر عن موعد الإفطار أو الغريب المار بالطريق”.

ويضيف “الحرب لم تؤثر سلبا على هذه الموائد، بل على العكس؛ زادت من الترابط والتجانس بين الناس. لقد ازداد عدد (البِرُوش) في الشوارع بعد الحرب، وأصبحت لها قيمة جديدة، فمن كان يفطر داخل بيته سابقا خرج اليوم للشارع لشعوره بمسؤولية إطعام المحتاجين”. كرمٌ رغم الجراح

من جانبه، يقول الحارث تاج الدين، من أعيان حي بحري، إن “البرش هو عنوان الكرم والأصالة السودانية”، ويضيف “نحن نؤمن بمبدأ (الجود بالموجود)؛ فرغم القلة، يوفر الناس الماء والطعام ويجلسون معا في تماسك لا ينقطع رغم ظروف الحرب. هذه الموائد ليست مدعومة من جهات خارجية، بل هي نتاج جهد الأسر؛ كل بيت يخرج أفضل ما لديه ليشاركه مع جيرانه”.

أما المواطن حسام محجوب، فيرى أن “البرش” ليس بالأمر المفاجئ في ثقافة الشعب السوداني، بل الغريب هو أن يفطر الناس داخل بيوتهم.

ويشير محجوب إلى أن الحرب جعلت هذا التقليد أكثر رسوخا، ليبقى دليلا على أن التكافل السوداني لا يموت حتى في أحلك الظروف. لقد تحول “البرش” في هذا الشهر إلى أيقونة صمود تعيد تعريف معنى الجيرة في زمن النزوح والجراح.

ومنذ أبريل/نيسان 2023، تخوض قوات الدعم السريع مواجهات مع الجيش السوداني أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، وتسببت بإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفق الأمم المتحدة.

Exit mobile version