البيان السعودي.. السودان في ميزان الاقليم..

رشان اوشي

لأن الامن الإقليمي لم يعد يحتمل الغموض ولا الحياد، أعلنت المملكة العربية السعودية عبر بيانها أمس، تعريفها لحرب السودان بوصفها قضية أمن قومي، وليست نزاع داخلي بين طرفي الحرب. والأهم أن البيان السعودي كسر، وللمرة الأولى، الحياد الدبلوماسي، عبر اتهام صريح لجهات إقليمية بإدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة إلى صفوف المليشيات المتمردة في السودان.

منذ اندلاع الحرب، سعت المملكة إلى تغليب صوت الحكمة، ودفع مسار سلمي ينهي القتال دون مكافأة الفوضى. تعاملت مع السودان باعتباره عمق أمني استراتيجي؛ فأمن البحر الأحمر، واستقرار الممرات البحرية، ومنع تمدد المليشيات العابرة للحدود، ظلت اعتبارات حاضرة في الذهن السعودي، تماماً كما كانت في تدخلات سابقة للرياض في ملفات أكثر تعقيداً، من اليمن إلى القرن الإفريقي.

ومن بين المبادرات كافة التي طرحت لإنهاء الحرب، يبرز اتفاق جدة، في تقديري هو  أنقى اتفاق سياسي عرفه السودان في جوهره. إذ وضع الإصبع على أصل الأزمة: ضرورة انسحاب المليشيات من المناطق المحتلة، أي التسليم للدولة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى عبر شرعنة المليشيات، بل عبر نزع سلاحها. ذلك الاتفاق الذي أثلج صدور السودانيين، لم يكن وضوح بنوده صدفة، بل نتاج جهد سعودي واع بطبيعة الصراع وحدوده.

في المقابل، أصرت الإمارات العربية المتحدة على مسار مغاير: الاستثمار في الفوضى، وتغذية المليشيات، وتحويل النزاعات إلى أدوات هيمنة. ترى أبوظبي في المليشيات بديل محتمل عن الدولة، ورافعة للنفوذ السياسي. لذلك لم يكن مستغرباً أن يصل العبث إلى تخوم الأمن القومي السعودي نفسه، عبر تهديد مباشر لاستقرار البحر الأحمر ومحيطه.

البيان السعودي الأخير، وهو يسمي الأشياء بأسمائها، يمكن قراءته كبداية مواجهة علنية بين الرياض وأبوظبي في ملف السودان، بعد طي صفحة اليمن. لم يعد الخلاف مكتوماً، ولا قابل للإدارة في الغرف المغلقة.

نحن أمام لحظة فرز استراتيجي واضحة:السعودية ترى في السودان ركيزة للاستقرار الإقليمي، بينما تتعامل معه الإمارات كساحة فوضى مفتوحة.

هذا التدخل العلني من الرياض لا يهدف فقط إلى كبح الدعم السريع، بل إلى رسم خطوط حمراء في الإقليم، قد تمتد آثارها إلى دول أخرى أنهكتها المليشيات، مثل ليبيا وجنوب السودان.

في الخلاصة، أغلق البيان السعودي الباب أمام سردية “النزاع الداخلي” التي استخدمت طويلاً لتبرير تغذية المليشيات بالسلاح والمرتزقة. وهو انتقال واضح إلى سياسة المواجهة والمكاشفة، تمهيداً لحسم الأزمة وأسبابها.

لقد اختارت الرياض أن تعلن موقفها صراحة:أمن الإقليم لا يحتمل المناطق الرمادية، والدولة الشرعية تبقى الخيار الوحيد القابل للاستمرار.

محبتي واحترامي

Exit mobile version