تقارير

البرهان يريد عودة الناس.. هل تستطيع الخرطوم استعادة اقتصادها الصغير؟

الخرطوم – انتصار فضل الله
لم تكن عبارة الرئيس السوداني عبد الفتاح البرهان بشأن عدم إغلاق المقاهي والتضييق على «ستات الشاي» مجرد حديث عن أنشطة صغيرة في شوارع الخرطوم. خلف العبارة سؤال أكبر يتعلق بمدينة تحاول استعادة حياتها بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب: كيف تعود الخرطوم، ومن أين تبدأ عملية التعافي؟
فخلال مخاطبته احتفالات الجيش بولاية الخرطوم، وجّه البرهان والي الخرطوم إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وعدم التضييق على أصحاب الأنشطة الصغيرة، قائلاً: «ما تقفلوا الكافيهات وتضايقوا ستات الشاي، نحن عايزين الناس ترجع». وقد حظيت العبارة بتداول واسع على منصات التواصل ووسائل الإعلام.
لكن بعيداً عن الجدل الذي أثاره التصريح، تكشف العبارة جانباً من معادلة أكثر تعقيداً: عودة السكان لا تعني فقط فتح المنازل والمؤسسات، وإنما عودة الشوارع إلى الحركة، والأسواق إلى استقبال المتسوقين، والمطاعم والمقاهي والباعة وأصحاب الخدمات إلى ممارسة أعمالهم، وعودة المال إلى الدوران بين المستهلك والعامل وصاحب المشروع والمورد.
استعادة نشاط تدريجي
في أم درمان، إحدى أكثر مدن العاصمة ارتباطاً بالحياة التجارية والاجتماعية، بدأت بعض المقاهي تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان إلى الأحياء. في «كافي المودة»، لا تبدو القهوة مجرد مشروب؛ فالمكان مشروع صغير يحاول صاحبه الاستمرار في بيئة اقتصادية تغيرت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب.
تقول صاحبة الكافي إن الحرب انعكست مباشرة على النشاط، بعدما تراجعت حركة المواطنين وانخفض عدد الزبائن، قبل أن تبدأ الحركة في التحسن تدريجياً مع عودة السكان إلى المنطقة.
ولكن عودة الزبائن لا تعني أن العمل عاد إلى ما كان عليه قبل الحرب؛ إذ ارتفعت تكلفة التشغيل مع زيادة أسعار البن والسكر والحليب والمياه، إلى جانب الكهرباء والإيجار وأجور العاملين والنقل، بينما ظلت قدرة الزبون على الدفع محدودة.
وتضع هذه المعادلة أصحاب المقاهي أمام خيار صعب: كيف يحافظون على أسعار يستطيع المواطن تحملها، وفي الوقت نفسه يضمنون استمرار مشروعاتهم؟ وتقول صاحبة الكافي إن تحسن الإقبال لا يعني بالنسبة إليها زيادة المبيعات فقط، بل يمثل علامة على عودة الحركة إلى المنطقة، لأن المقهى نفسه يعتمد على شبكة من الموردين والعمال والخدمات.
وترى أن أصحاب الأنشطة الصغيرة يحتاجون إلى بيئة أكثر استقراراً وأقل كلفة، داعية إلى تنظيم النشاط بدلاً من التضييق عليه، وتخفيف الرسوم، وتحسين الكهرباء والمياه، وتوفير بيئة آمنة تشجع المواطنين على العودة إلى الأماكن العامة.
عودة الحياة اولا
وبالنسبة إلى المواطنين، تبدو دعوة البرهان منطقية من زاوية، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة الحياة إلى الخرطوم.
محمود الجنيد أحد سكان أم درمان يقول إن عودة المقاهي والأنشطة التجارية مهمة لأنها تعني أن الشوارع بدأت تستعيد حركتها، لكنه يرى أن المواطن يحتاج قبل ذلك إلى خدمات مستقرة ودخل يسمح له بالإنفاق. ويضيف أن «فتح المقهى وحده لا يعني أن الحياة عادت»، إذا ظل المواطن عاجزاً عن تحمل تكاليف الجلسة أو شراء احتياجاته الأساسية.
وترى المواطنة عايدة الزين، أن حديث البرهان يحمل رسالة إيجابية لأصحاب المشروعات الصغيرة، لكنه يلفت إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في القيود الإدارية أو إغلاق الأنشطة، وإنما في الظروف الاقتصادية التي خلفتها الحرب. وتقول إن المواطن يريد أن يرى الأسواق والمقاهي تعمل، لكنه يريد في الوقت نفسه أسعاراً يمكنه تحملها ودخلاً يساعده على العودة إلى نمط حياته السابق.
تقاطع رغبات المواطنين
أما ايمن كرم الله أحد رواد المقاهي في أم درمان، فيرى أن الجلوس مع الأصدقاء يمثل أكثر من مجرد إنفاق على مشروب. «نحن محتاجون نرجع نعيش»
مشيراً إلى أن اللقاءات الاجتماعية نفسها كانت من أكثر الأشياء التي فقدها الناس خلال الحرب. لكنه يضيف أن ارتفاع الأسعار جعل هذه العادة أقل انتظاماً، وأن كثيراً من المواطنين باتوا يحسبون تكلفة كل جلسة قبل الخروج.
وهنا تتقاطع رغبة المواطن في استعادة حياته مع قدرة الاقتصاد على توفير شروط هذه العودة؛ فالمقهى يحتاج إلى زبون، والزبون يحتاج إلى دخل، وصاحب المشروع يحتاج إلى خدمات وتكاليف تشغيل يمكن تحملها.
البداية بالأنشطة الصغيرة
ويرى استاذ اسامة حمد النيل الخبير الاقتصادي أن أهمية حديث البرهان تتجاوز المقاهي و«ستات الشاي»، لأنها تلفت الانتباه إلى قطاع واسع من الاقتصاد الصغير الذي يمكن أن يلعب دوراً في مرحلة التعافي.
ويقول ل” إيلاف ” ، إن المشروعات الصغيرة تتميز بأنها لا تحتاج في الغالب إلى رؤوس أموال ضخمة، لكنها قادرة على خلق دخل وفرص عمل وتحريك الطلب المحلي، ولذلك فإن دعمها يمكن أن يكون أحد المداخل السريعة لتحريك الاقتصاد في المناطق التي بدأت تستعيد سكانها.
ويضيف أن إغلاق نشاط صغير لا يضر صاحبه وحده؛ فالمقهى، على سبيل المثال، يرتبط بعاملين وموردين وسائقين وأصحاب عقارات ومقدمي خدمات. وبائعة الشاي تشتري الشاي والسكر والحليب والمياه، وتدفع تكاليف أخرى مرتبطة بممارسة نشاطها، ما يعني أن الأموال تتحرك في سلسلة اقتصادية أوسع من حجم المشروع نفسه.
ويحذر حمد النيل، في الوقت ذاته من اختزال التعافي الاقتصادي في مجرد عودة الأنشطة إلى الشوارع، موضحاً أن استمرار هذه المشروعات يحتاج إلى استقرار أمني، وتحسن في الخدمات، ومراجعة للرسوم والتراخيص، إلى جانب معالجة مشكلة ضعف القوة الشرائية.
ويقول إن المطلوب هو «تنظيم الاقتصاد الصغير لا خنقه»، عبر تبسيط إجراءات الترخيص، وتخصيص مساحات مناسبة للأنشطة الشعبية، وتحسين الكهرباء والمياه والنظافة، وتوفير بيئة آمنة للعمل، بما يسمح لهذه المشروعات بتحقيق عائد يحافظ على استمرارها.
ابسط علامات التعافي
وفي الخرطوم التي تحاول استعادة حياتها، لا تقاس العودة فقط بفتح المؤسسات والمشروعات الكبرى، بل أيضاً بعودة الأسواق والمقاهي والأنشطة الصغيرة إلى الشوارع.
فحديث البرهان عن عدم إغلاق المقاهي والتضييق على «ستات الشاي» يعكس حاجة المدينة إلى اقتصادها اليومي كي يدور من جديد
.
وربما تكون أبسط علامات التعافي أن تمتلئ الشوارع بالناس مرة أخرى، وأن يصبح الجلوس في مقهى أو شراء كوب شاي تفصيلاً عادياً من تفاصيل الحياة، لا مؤشراً نادراً على عودتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى