حظينا في الأسبوع الماضي بلقاء نوعي ضمّ مجموعة من الجنرالات، وخرجنا منه مطمئنّين ومنتشين بالمعلومات التي استمعنا إليها، ومتفائلين بالخطط التي يعملون عليها. والخلاصة أن النصر أقرب مما نتوقع، وأن الشعب السوداني موعود بسماع معزوفة الخلاص قريبًا. اللهم اجعله خيرًا.
إن الإفادات التي استمعنا إليها نشاهد يوميًّا وقائع تنفيذها وتقدّمها، لكن يقابلها مشهد آخر شديد القتامة في الاقتصاد. ولا يظنّن أحد أن انتصارنا في الحرب يعني أننا أصبحنا في مأمن من تداعياتها الاقتصادية. ٢ كان جيمس كارفيل، المستشار السياسي ومدير الاستراتيجية في حملة بيل كلينتون عام ١٩٩٢، محتارًا في كيفية الفوز بالانتخابات ومنافسة جورج بوش، الذي خرج منتصرًا من حرب الكويت، ومع انتهاء الحرب الباردة، بدا أن بوش قد عزّز دوره في قيادة النظام الدولي الجديد. لكن ملايين الأمريكيين كانوا منشغلين بالبطالة والركود ومستقبل وظائفهم ودخولهم. فهم كارفيل أن الناخب لا يصوّت بالضرورة على أساس إنجازات الرئيس في السياسة الخارجية، بل على أساس ما يشعر به في حياته اليومية. وكانت الأوضاع الاقتصادية متدهورة، فعزف على ذلك الوتر، وصاغ العبارة التي قادت كلينتون في النهاية إلى نصر كبير: «إنه الاقتصاد، يا غبي!» (It’s the economy, stupid!). يخبرنا التاريخ أن أكثر من رئيس انتصرفي الحرب، لكن الاقتصاد أسقطه؛ ومن أبرز الأمثلة: (تشرشل، وبوش الأب). والآن، ونحن على أبواب النصر بإذن الله، تتجمع في الأفق نذر مخاطر اقتصادية شتى، تتشابك وتتغذى على بعضها بعضًا، حتى يصبح علاج إحداها مستحيلًا من دون معالجة الأخريات وهى مهددات لاستقرار الدولة والحكم. سنتوقف عند أربعة متغيرات تقع في قلب هذا التشابك: سعر الصرف، والتضخم، والطاقة، والغذاء. ويمثل كل واحد منها مكمن خطر مستقلًا، لكن اجتماعها قد يحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة معيشية وإنتاجية ومالية شاملة، تهدد قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، وقدرة المجتمع على الاحتمال. (٣) المشكلة أن هذه المتغيرات لا تتحرك في خطوط متوازية، وإنما في دائرة مترابطة؛ فارتفاع سعر الدولار يرفع تكلفة الوقود، وارتفاع تكلفة الوقود يزيد تكاليف الزراعة والنقل والإنتاج، وارتفاع أسعار الغذاء يدفع التضخم إلى أعلى، بينما يضعف التضخم، بدوره، الثقة في العملة المحلية ويزيد الطلب على الدولار. وهكذا تعود الأزمة إلى نقطة البداية، ولكن عند مستوى أشد خطورة. ولذلك سنتوقف، في كل حلقة من حلقات مكامن الخطر الأربعة، عند عناصرها المختلفة، حتى نرى بوضوح الخطر الذي نواجهه. وسأبدأ بقضية سعر الصرف، الذي أصبح مؤشرًا حاسمًا لقياس مستوى التدهور الاقتصادي الذي تتعرض له الدولة.
(٤)
سعر الصرف ليس مجرد رقم يعلنه البنك المركزي أو تتداوله الأسواق الموازية، بل هو معيار أساسي يحدد علاقة الاقتصاد السوداني بالعالم الخارجي، لا سيما أن أغلب الواردات من السلع الاستراتيجية، كالوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج، تأتي من الخارج وتتطلب عملات حرة، وهي حاجة آخذة في التصاعد.
في العام الماضي، بلغ عجز الميزان التجاري ٣٫٢٠٦٩ مليارات دولار. وبحسب بيانات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو ٢٩٫٤٪ في عام ٢٠٢٣، ثم بنسبة ١٤٪ في عام ٢٠٢٤، قبل أن يبدأ تعافيًا جزئيًّا في عام ٢٠٢٥. كما تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو ١٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام ٢٠٢٢ إلى أقل من ٥٪ في عامَي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥.
وقد قاد هذا الوضع إلى تدهور مستمر في قيمة العملة، لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في انخفاض قيمتها، بل في التوقعات المستمرة بمزيد من الهبوط؛ إذ يدفع ذلك المستوردين والتجار إلى تسعير المنتجات بناءً على تكلفة الاستبدال المستقبلية، كما يدفع المواطنين إلى تحويل مدخراتهم إلى العملات الأجنبية أو الذهب لحماية قوتهم الشرائية.
وبذلك يتحول انخفاض سعر الصرف من مجرد عرض لاختلال الاقتصاد إلى سبب رئيسي لتعميق ذلك الاختلال، وإدخال البلاد في دائرة مفرغة من التدهور المعيشي والإنتاجي. ومعلوم أن أي تراجع في قيمة الجنيه ينعكس فورًا وبشكل مباشر على أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية.
إن استكمال النصر العسكري والحفاظ عليه يتطلبان حماية الجبهة الداخلية من الانهيار الاقتصادي؛ إذ لا يمكن فصل معركة السلاح عن معركة البقاء والعيش الكريم. فالعملة الوطنية المتراجعة، والارتفاع المتواصل في تكاليف الإنتاج والخدمات، يضعان المواطن أمام ضغوط معيشية غير مسبوقة.
إن التدهور المستمر في سعر الصرف عرضٌ لمرض، وعلاج هذا المرض يتطلب رؤية اقتصادية شاملة قادرة على إدارة الموارد بفاعلية، بما يحقق الاستقرار الشامل، وينعم معه الشعب السوداني بثمرة صموده وفرحة انتصاره.