أفريقيا الوسطى: سجلّ مبكر لتحوّل السلاح إلى أداة نفوذ عابر للحدود
«سيليكا» والدعم السريع: جذور مبكرة لشبكات التسليح العابرة للحدود
تقدم جمهورية أفريقيا الوسطى دليلاً مبكراً ومهماً على أن انخراط قوات الدعم السريع في شبكات التسليح العابرة للحدود لم يبدأ مع الحرب السودانية الراهنة، بل سبقها بسنوات. فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بجمهورية أفريقيا الوسطى، في تقريره المرحلي لعام 2019، استمرار حصول الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى (FPRC) واتحاد السلام في أفريقيا الوسطى (UPC)، وهما من أبرز الفصائل المنبثقة عن تحالف «سيليكا»، على الأسلحة والذخائر والمركبات من الأراضي السودانية أو عبرها، عبر عناصر من قوات الدعم السريع في هذه العمليات. وبهذا المعنى، يظهر الدعم السريع في السجل الأممي ليس فقط كقوة عسكرية سودانية ذات انتشار حدودي، وإنما أيضاً كفاعل قادر على الوصول إلى مخزونات السلاح وتسهيل انتقالها إلى جماعات مسلحة في دول الجوار.[1]
وتكشف وقائع عام 2019 عن طبيعة هذه الشبكة بصورة أكثر تحديداً. ففي يناير/كانون الثاني ومايو/أيار من ذلك العام، اشترت مجموعات مسلحة من الفصائل السابقة لسيليكا مركبات «بيك أب» من مدينة نيالا في دارفور، وشوهدت مركبات تابعة للجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى و التجمع الوطني من أجل تجديد أفريقيا الوسطى ، بعضها مزود برشاشات، في بيراو وبريا وندليه وكاغا باندورو. وفي يناير/كانون الثاني، رصد فريق الخبراء تعزيزاً للتواجد العسكري في بيراو تزامن مع تمركز نحو 60 مركبة وعناصر مسلحة من قوات الدعم السريع على الجانب السوداني من الحدود. وفي أواخر مارس/آذار، أوقفت الاستخبارات العسكرية السودانية 18 عنصراً من الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى كانوا يتنقلون بين نيالا وبيراو، وعثرت بحوزتهم على أسلحة وذخائر وأزياء عسكرية اشتروها في نيالا. وبعد ذلك بأيام، عاد اثنان من قادة المجموعة إلى نيالا واشتروا، وفق تقرير فريق الخبراء، 20 صندوقاً من ذخائر 7.62×39 ملم و50 بندقية هجومية من طراز AK من عناصر في قوات الدعم السريع.[2]
ولم تكن هذه واقعة منفردة. ففي تقريره النهائي الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2019، وثق فريق الخبراء استمرار حصول اتحاد السلام في أفريقيا الوسطى على الأسلحة والذخائر من الأراضي السودانية أو عبرها، بتسهيل من عناصر مليشيا الدعم السريع. وسجل التقرير صفقة أُبرمت في أغسطس/آب 2019 مع عناصر مليشيا الدعم السريع، أعقبها نقل شحنة من الأسلحة إلى أم دافوق في سبتمبر/أيلول، على أن تُنقل لاحقاً عبر بيراو وبريا إلى منطقة بوكولبو. ووفق إفادة أحد المتعاملين في الشبكة، شملت الصفقة 500 قاذف صاروخي و500 بندقية هجومية من طراز .AK[3]
وتكشف هذه الوقائع عن نمط أوسع من مجرد «تهريب سلاح» بالمعنى التقليدي. فمنذ 2013، ظهرت منطقة دارفور–شرق تشاد–شمال شرق أفريقيا الوسطى باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه حركة الأسلحة والمركبات والمقاتلين مع التجارة غير الرسمية وشبكات الحماية المسلحة. وبحلول 2019، كان فريق خبراء الأمم المتحدة يصف أم دافوق والطرق المؤدية إليها باعتبارها محوراً للتجارة والتهريب بين السودان وأفريقيا الوسطى، بينما كانت الجماعات الوسط افريقية المسلحة تسيطر على الطرق والحواجز في المنطقة وتفرض رسوماً على حركة الشاحنات، بدعم من مليشيا الدعم السريع المتحكمة في تلك الايام.
وعليه، فإن الأهمية التاريخية لهذه الوقائع لا تكمن فقط في إثبات أن مليشيا الدعم السريع قد أوصلت السلاح إلى جماعات سيليكا السابقة، وإنما في إظهار بنية إقليمية مبكرة تقوم على ثلاث وظائف مترابطة: توفير السلاح، وتأمين حركة السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وتحويل السيطرة على طرق العبور إلى مصدر نفوذ وعائدات. وفي هذه البنية، ظلت مليشيا الدعم السريع، ومنذ قبل اندلاع حرب أبريل/نيسان 2023، كأحد الفاعلين الأساسيين في هيكلة هذه البنية والقادرين على توفير السلاح أو تسهيل الوصول إليه لفصائل مسلحة خارج السودان وعلى امتداد الساحل. وهذا يجعل العلاقة مع سيليكا السابقة جزءاً من تاريخ أطول لشبكات القوة المسلحة العابرة للحدود التي تربط دارفور بشرق تشاد وشمال أفريقيا الوسطى، وليس مجرد حادثة منفصلة عن بنية الحرب الحالية.
