المسار الموثق: من مخازن الدعم السريع إلى أسواق الساحل
«الدوائر الجانبية»: مدخل التوثيق الميداني
لا يمكن النظر إلي تقرير (الدوائر الجانبية) بوصفه دراسة تقنية متخصصة في تعقب الأسلحة فحسب، وإنما باعتباره تحليلاً ميدانياً وتوثيقياً لكيف قامت الحرب السودانية بإعادة تشكيل أسواق السلاح وشبكات المقاتلين والاقتصادات غير الرسمية المرتبطة بها في كل من تشاد وليبيا ومنطقة الساحل باسرها. وقد كانت إحدى أهم خلاصاته وأكثرها دلالة تتعلق بتسرب جزء من مخزونات الأسلحة المرتبطة بقوات الدعم السريع إلى خارج مسرح الحرب السودانية، ودخولها في شبكات إقليمية للاتجار بالسلاح وإعادة التوزيع.
ويوثق التقرير انتقال أسلحة ذات طبيعة عسكرية ثقيلة، من بينها رشاشات الدوشكا DShKh وPKT وقذائف صاروخية محمولة مضادة للطائرات، عبر منطقة كوري بوغودي ومحيط حقول الذهب على الحدود التشادية–الليبية. ولم تكن هذه الحركة عشوائية أو منفصلة عن شبكات التهريب القائمة، هي جزء من ممرات وشبكات لوجستية راسخة، أوكلت الي وسطاء من الطوارق ومهربون أخرون مرتبطون بجماعات إرهابية في الإقليم، نقل الأسلحة غرباً عبر أوباري وغات وممر السلفادور في جنوب غرب ليبيا. وبذلك تحولت المنطقة الحدودية بين تشاد وليبيا من مجرد مساحة توريد أسلحة الي مليشيا الدعم السريع إلى حلقة وصل فعلية بين مخزونات الحرب السودانية وأسواق السلاح والجماعات المسلحة في الساحل الافريقي.
وعبر هذه الحلقة، وجدت أسلحة مليشيا الدعم السريع طريقها إلى أسواق ومشترين في النيجر ومالي، بما في ذلك فصائل مرتبطة بـجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، وحركة إنقاذ أزواد. والأهم أن حركة السلاح لم تعتمد حصراً على وسطاء يعملون من مسافات بعيدة، فقد وثق التقرير حالات انتقل فيها مشترون من أزواد بأنفسهم إلى أوباري أو كوري بوغودي لإتمام عمليات الشراء، مستفيدين من شبكات القرابة والثقة والعلاقات المحلية التي توفرها المجتمعات العابرة للحدود. وهذا يعكس وجود سوق إقليمية مترابطة للسلاح قادرة على تحويل الأسلحة الخارجة من مسرح الحرب السودانية إلى موارد مباشرة لصراعات مسلحة أخرى.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن هذه التطورات تعني أن آثار الحرب السودانية لم تعد محصورة في حدود ساحاتها وميادينها المباشرة. فالسلاح الذي كان جزءاً من مخزون الحرب في السودان، وكان يُفترض أن يُستهلك في جبهات القتال السودانية، بدأ يتحول إلى مورد يغذي اقتصاد الحرب الإقليمي في الساحل. ومع استمرار الحرب، فإن هذه العملية لا تمثل مجرد حالات تهريب منفردة، وإنما تكشف عن قابلية خلق مسار مستدام لإعادة تدوير السلاح عبر الحدود، بما يربط بصورة مباشرة بين ديناميات الصراع في السودان وتنامي القدرات القتالية للجماعات المسلحة في منطقة الساحل. ومن ثم، فإن تسرب هذه الأسلحة يجب النظر اليه باعتباره أحد مظاهر تحول مليشيا الدعم السريع من فاعل مسلح غير رسمي في صراع داخلي إلى عامل يضاعف عدم الاستقرار المسلح على المستوى الإقليمي.
## كيف تتحول شحنات السلاح من المليشيا لتصبح إلى مورد للتهريب
يكشف تتبع تسرب أسلحة مليشيا الدعم السريع أن الأمر لم يكن مجرد فقدان عشوائي للأسلحة في سياق الفوضى التي صاحبت العمليات القتالية، وإنما كان عملية منظمة لإعادة توجيه جزء من الإمدادات بعيداً عن مسارها الأصلي بغرض الربح المادي واستمالة المرتزقة من المجموعات المسلحة الأخرى in الإقليم وخلق تحالفات معها. فبحسب المعطيات المتاحة، تم اكتشاف فائض من شحنات اسلحة كانت مرسلة لصالح مليشيا الدعم السريع من الامارات عبر ليبيا وتشاد، ثم تحويلها وتسليمها داخل الأراضي التشادية في نقاط محددة، من بينها برداي، وإيمي أتروم، ووادي مارو، ومنطقة ديردي-ووني في إقليم كانم. وتكتسب هذه الوقائع أهميتها من موقع تلك النقاط على مقربة من مسارات الحركة العابرة للحدود وكما انها غير مجاورة بشكل مباشر ولا تشكل جزءاً من الحدود السودانية التشادية، بما يشير إلى أن خروج السلاح من منظومة الإمداد الأصلية لم يكن نتيجة خسائر ميدانية عرضية، بل نتيجة آلية تحويل وتسريب للسلاح تستفيد من البنية اللوجستية القائمة وتعمل عند نقاط قريبة من ممرات الإمداد نفسها.
وفي هذا السياق، تبرز الشبكة اللوجستية التي يديرها أمير الحرب التشادي صالح «أنكازي» عبد الكريم هبري، ابن شقيق الرئيس التشادي الأسبق حسين هبري، (الملقب برجل السلفادور وهو ممر مشهور للتهريب في مثلث الحدود الليبي، النيجري، الجزائري) والتي اضطلعت بدور محوري في نقل الشحنات العسكرية شمالاً عبر منطقتي ميسكي وكوري بوغودي باتجاه الأراضي الليبية، لتُعاد جدولة مسارها وتوجيهها إلى مناطق السيطرة والنفوذ التابعة للواء 128 في القوات المسلحة العربية الليبية (المعروفة اعلامياً باسم الجيش الوطني الليبي – LNA تحت قيادة المشير خليفة حفتر) قبل دخوله في اشتباكات لاحقة معها.
يكشف هذا المسار عن مستوى متقدم من التنظيم والتنسيق يتجاوز المفاهيم التقليدية لـتسرب السلاح، إذ لا يعبر الأمر عن فقدان عشوائي للمعدات من مسرح العمليات ثم ظهورها لاحقاً في الأسواق، بل يعكس عملية إعادة توظيف منظمة لممرات الإمداد وشبكات النقل والوسطاء الميدانيين، بما يحقق غايات مختلفة عن الوجهات الأصلية المقصودة لتلك الشحنات.
وعليه، فإن ما بدأ بوصفه جزءاً من ممر إمداد مخصص لمليشيا قوات الدعم السريع تحوّل، عند نقاط محددة على امتداد هذا المسار، إلى قناة موازية لإعادة توزيع الأسلحة على مجموعات مسلحة أخرى خارج السودان. ولم يعد مسار هذه الشحنات محكوماً حصراً باحتياجات الجبهة التي أُرسلت إليها في الأصل، بل أصبح خاضعاً أيضاً لمنظومة من الوسطاء وشبكات النقل والحماية والاتجار العابرة للحدود، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحوافز التجارية والاقتصادات غير الرسمية. وتؤكد الأدلة المتاحة أن الأسلحة المرتبطة بمسارات إمداد مليشيا الدعم السريع دخلت بالفعل في دوائر أوسع لإعادة التوجيه وإعادة البيع داخل تشاد وليبيا ومنطقة الساحل الأوسع، بما جعل بعض خطوط الإمداد جزءاً من سوق إقليمية للسلاح تتجاوز الغرض العسكري الأصلي للشحنات.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول في أنه يغيّر طبيعة السلاح نفسه من كونه اداة للحرب. فحين يصبح بالإمكان اقتطاع الشحنات من مساراتها الأصلية، ونقلها عبر الحدود، وإعادة بيعها أو توجيهها إلى جماعات مسلحة أخرى، فإن السلاح لا يبقى مرتبطاً بالعمليات القتالية في جبهة واحدة أو بطرف واحد، وإنما يتحول إلى أصل متداول وسلعة داخل اقتصاد حرب إقليمي. وتصف الأدلة البحثية هذه العملية باعتبارها جزءاً من دوائر مترابطة تتحرك فيها الأسلحة والمقاتلون والوقود ووسائل النقل والحماية بصورة متزامنة، بحيث تعزز كل شبكة قدرة الأخرى على الاستمرار.
وبهذا المعنى، فإن تسرب الأسلحة من مسارات الإمداد السودانية لا يمثل أثراً جانبياً للحرب، وإنما أحد تحولاتها الإقليمية المباشرة. فكلما اتسعت قدرة شبكات الإمداد والوسطاء على تحويل وجهة الشحنات وإدخالها في ممرات وأسواق جديدة، اتسع نطاق المستفيدين من هذه الأسلحة، وازدادت قدرتها على تغذية نزاعات أخرى.
ونتيجة لذلك أصبح السلاح الذي دخل السودان بوصفه أداة لدعم طرف فيما يفترض انه حرب داخلية محدودة يمكن أن يخرج منه بوصفه مورداً لنزاعات متعددة. وهنا ينتقل أثر الحرب من مجرد انتقال المقاتلين أو اللاجئين أو الأزمات الإنسانية إلى انتقال مادي لقدرات العنف نفسها، أي انتقال الأسلحة، والشبكات التي تحركها، والحوافز الاقتصادية التي تضمن استمرار تداولها. وهذا ما يجعل استمرار هذه المسارات خطراً إقليمياً يتجاوز السودان، ويحوّل الحرب إلى مصدر لإعادة تشكيل أسواق السلاح وشبكات القوة المسلحة في تشاد وليبيا والساحل.
## اقتصاد الأسعار والمضبوطات: مؤشرات حركة السلاح
تكشف الأسعار ومسارات إعادة البيع عن بُعد إضافي بالغ الأهمية في دينامية انتقال وتسرب الأسلحة، إذ لا تعكس فروق الأسعار مجرد اختلافات جغرافية، وإنما تكشف عن وجود سوق إقليمية مترابطة للسلاح تتحدد قيمتها وفق المسافة، ومخاطر النقل، والسيطرة على الممرات، وقدرة الوسطاء على تجاوز نقاط الرقابة والتفتيش الرسمية. فكلما ابتعد السلاح عن مصدره الأصلي وازدادت مخاطر نقله وإخفائه وإعادة بيعه، ارتفعت قيمته السوقية بصورة واضحة. وبحسب المعطيات التي تم تجميعها، يُشترى رشاش الدوشكا DShK الثقيل بالقرب من حدود دارفور بنحو 5,000 دولار، قبل أن يصل سعره في بلدة فوار الليبية إلى نحو 10,000 دولار. وبالمثل، فإن بندقية الكلاشينكوف من طراز AK-47 التي تُباع في كلايت بنحو 500 دولار يمكن أن يتضاعف سعرها الي الف دولار او أكثر في كوري بوغودي ومحاور تيبستي المجاورة.
وتكتسب هذه الفوارق أهمية تحليلية لأنها تشير إلى أن السلاح لا يتحرك داخل فراغ لوجستي، وإنما ضمن سلسلة قيمة تجارية عابرة للحدود، فكل مرحلة من مراحل انتقاله تضيف تكلفة ومخاطر، لكنها في الوقت نفسه تخلق هامش ربح جديد للوسطاء، والمهربين، وشبكات الحماية والنقل. وبذلك يصبح استمرار حركة السلاح مدفوعاً ليس فقط بالطلب العسكري, وإنما أيضاً بالحوافز الاقتصادية التي تَنشأ حول عمليات نقله وإعادة توزيعه. وكلما اتسعت الفجوة السعرية بين مناطق المصدر ومناطق الطلب، ازدادت الجدوى الاقتصادية لتجاوز الحدود وإعادة توجيه الشحنات إلى أسواق أكثر ربحية.
كما أن المقايضة تؤدي دوراً موازياً للنقد في هذه الأسواق. فلم تعد عمليات بيع الأسلحة المسربة من ترسانة مليشيا الدعم السريع وشبكات دعمها، وتسديد قيمتها محصورة في العملات النقدية والأموال، وإنما شملت الوقود والمركبات والذهب والمخدرات، بما يعكس اندماج تجارة السلاح مع منظومة أوسع من الاقتصاديات غير الرسمية والجرائم العابرة للحدود. وفي هذه البيئة، لا يمثل السلاح سلعة منفصلة، بل يصبح جزءاً من شبكة تبادل متعددة السلع والخدمات، يمكن من خلالها تحويل الذهب أو الوقود أو المركبات إلى قدرة قتالية، والعكس بالعكس.
وتشير المعطيات كذلك إلى دخول أجهزة الاتصال الفضائي، بما فيها ستارلينك، ضمن الأدوات المستخدمة من قبل بعض القوافل لتسهيل الحركة والتنسيق في المناطق النائية التي تضعف فيها قدرة السلطات على المراقبة والاتصال. ويعني ذلك أن شبكات التهريب لا تعتمد فقط على الممرات الجغرافية التقليدية، وإنما تستفيد أيضاً من أدوات اتصال حديثة تقلل من أثر العزلة الجغرافية وتزيد قدرة شبكات التهريب على التنسيق عبر مسافات واسعة. ومن ثم، فإن اقتصاد السلاح في هذه المنطقة يجمع بين عناصر تقليدية ــ الذهب والوقود والمركبات والطرق الصحراوية ــ وأدوات تقنية حديثة، بما يزيد من مرونة الشبكات وقدرتها على العمل خارج نطاق الرقابة الرسمية.
ولا تقف الأدلة عند حدود فروق الأسعار والروايات الميدانية، وإنما تتقاطع معها وقائع ضبط وتحقيقات مستقلة توثق انتقال الأسلحة والذخائر المرتبطة بالحرب السودانية عبر الحدود، ثم إعادة توجيه جزء منها إلى أسواق ومستخدمين آخرين. فقد وثقت تحقيقات ميدانية في شمال تشاد ضبط أكثر من 130 قطعة سلاح في منطقة بوركو–تيبستي خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر/أيلول 2024 وأبريل/نيسان 2025، في سياق تفكيك شبكات للاتجار بالسلاح في المنطقة. تكتسب هذه الواقعة أهميتها كدليل مادي على استخدام الممر الجغرافي الذي تصفه الدراسات المتخصصة باعتباره أحد المحاور الرئيسية لحركة السلاح بين السودان وتشاد وليبيا.
وتوفر تقارير الأمم المتحدة أدلة أكثر قوة ومباشرة على أن هذه الحركة لم تكن في اتجاه واحد، وأن بعض المواد العسكرية التي كانت موجهة أصلاً إلى مليشيا الدعم السريع أعيد تحويلها لاحقاً إلى أسواق وشبكات مسلحة أخرى. ففي تقريره النهائي الصادر في مارس/آذار 2026، وثق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا ضبط حالة محددة جرى فيها تحويل ذخيرة كانت موجهة أصلاً لمليشيا قوات الدعم السريع، ثم تم إعادة بيعها إلى أفراد منخرطين في تهريب الذهب في النيجر ومرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
حيث تمكن فريق الخبراء من تحديد نوع الذخيرة (ذخائر 7.62×39 ملم، وهي الذخيرة الشائعة الاستخدام مع بنادق هجومية من طراز كلاشينكوف AK) وتحديد علامات عبواتها (والتي كانت تحمل العلامة: “7.62S 120PC 352” وهي العلامة التي استخدمها فريق الخبراء في عملية التعرف والتتبع وهي ما سبق للفريق توثيقه في شحنة عسكرية صُدرت من ليبيا، ثم عُثر على ذخائر مماثلة في مصراتة).
وأكد الفريق أن هذه الذخائر، التي كانت موجهة أصلاً إلى مليشيا قوات الدعم السريع، جرى تحويله وإعادة بيعه إلى أفراد منخرطين في تهريب الذهب في النيجر ومرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية. وخلص التقرير إلى أن استمرار تدفقات الأسلحة غير المشروعة أدى إلى نشوء سوق موازية أسهمت في تحويل وإعادة توجيه الأسلحة والمواد العسكرية المخصصة لقوات الدعم السريع إلى أسواق في ليبيا والنيجر وتشاد.
تكشف هذه الواقعة عن الحلقة الأكثر خطورة في سلسلة انتقال السلاح: الإمداد، ثم الاقتطاع، ثم التحويل، ثم إعادة البيع لمستخدم مختلف عن المستفيد الأصلي. فالمشكلة لم تعد محصورة في وصول الأسلحة إلى مليشيا الدعم السريع عبر الممرات الإقليمية، وإنما أصبحت تشمل أيضاً قدرة الوسطاء والشبكات المسلحة وأفراد المليشيا انفسهم على اقتطاع أجزاء من هذه الإمدادات وإعادة إدخالها في أسواق أخرى. وبذلك يتحول خط الإمداد نفسه إلى مصدر لتغذية اقتصاد حرب أوسع، تنتقل داخله الأسلحة بين أطراف متعددة وفقاً للطلب والأسعار وشبكات الوساطة.
وتتوافق هذه النتيجة مع ما وثقه فريق الخبراء الأممي بشأن البنية اللوجستية في جنوب ليبيا. فقد أكد تقرير عام 2024 أن قوات الدعم السريع كانت المستفيد الرئيسي من خطوط الإمداد القادمة من ليبيا، وأن السرية 77 العاملة تحت مظلة اللواء 128 التابع للقوات المسلحة العربية الليبية (LAAF) والتي تنشط تحت قيادة محمد مزوقي، في جنوب شرقي ليبيا، ولا سيما المناطق القريبة من الحدود الليبية–السودانية والليبية–التشادية، اضطلعت بدور في هذا المسار، حيث كانت عناصر الدعم السريع تتسلم الإمدادات في معطن السارة داخل ليبيا قبل نقلها إلى السودان ليتم ايصالها الي قاعدة الزرق في شمال دارفور. كما وثق الفريق أن قوات مرتبطة باللواء 128 صادرت في يوليو/تموز 2024 مخزوناً كبيراً من الأسلحة والذخائر كان متجهاً إلى السودان قبل ان يتم إعادة توجيهه. وتكشف هذه الوقائع أن الممر ذاته كان يعمل بوصفه قناة للإمداد، وفي الوقت نفسه مجالاً للاعتراض والمصادرة وإعادة التحكم في الشحنات.
ولا تقتصر الادلة على تقارير الأمم المتحدة. فقد خلصت دراسة المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود إلى أن الحرب السودانية أعادت تنشيط شبكات قديمة للتهريب بين شمال تشاد وجنوب ليبيا، وأن الأسلحة بدأت تتحرك عبر مسارات تشمل كوري بوغودي، وفوار، وأوباري، وغات، وممر السلفادور، مع ظهور عمليات تحويل وإعادة بيع وتسرب إلى أسواق إقليمية. كما تشير الدراسة إلى أن some الأسلحة بدأت، منذ أواخر عام 2024، تصل إلى مناطق أبعد من تشاد وليبيا، بما في ذلك النيجر ومالي، وأن شبكات الطوارق لعبت دوراً مهماً في نقل هذه الأسلحة جنوباً نحو الأسواق والجماعات المسلحة في شمال مالي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية لأن هذه الدراسة لم تعتمد فقط على بيانات الضبط الرسمية، بل تضمنت عدداً من المقابلات الميدانية، وتحليل ورصد لطرق التهريب، وتوثيق ميداني لحركة القوافل، وتتبع بنية الأسواق المحلية وشبكات الوساطة. وقد خلص التقرير إلى أن ما نشأ في المنطقة يمثل ما سماه «دوائر جانبية»، أي شبكات لوجستية مترابطة تتحرك فيها الأسلحة والمقاتلون والوقود وتقنيات الاتصال معاً، وتستمر في العمل بشكل مستقل حتى عندما تتغير خطوط الجبهة أو تتبدل الاحتياجات العسكرية المباشرة.
كما توجد مؤشرات مادية مستقلة على التشابك بين مسارات السلاح التشادية والسودانية. فقد وثقت مجموعة بيلنغكات (وهي منظمة معنية بالصحافة الاستقصائية ومقرها في هولندا) في عام 2025 لصناديق ذخيرة ظهرت ضمن الأسلحة التي عرضتها القوات المسلحة السودانية باعتبارها أسلحة استولت عليها من مليشيا قوات الدعم السريع في أم درمان، وحملت إحدى العبوات علامة تشير إلى المديرية العامة للاحتياطي الاستراتيجي لرئاسة جمهورية تشاد. ولم تعتبر بيلنغكات هذه العلامة وحدها دليلاً قاطعاً على مسار انتقال السلاح، لكنها اعتبرتها مؤشراً مادياً يستحق التحقق، بما يوفر طبقة مستقلة من الأدلة على وجود صلات محتملة بين المخزونات أو شبكات الإمداد التشادية والأسلحة التي ظهرت داخل مسرح الحرب السودانية. وقد قامت نفس المجموعة بتقرير لاحق حدّد بدقّة موقع مجزرة راح ضحيتها أكثر من ثمانين شخصاً قرب الفاشر، بتحليل أكثر من اثني عشر مقطعاً ظهر على الإنترنت بعد 27 أكتوبر، بعضها صوّره مقاتلو الدعم السريع أنفسهم بشاراتهم ظاهرة على أكتافهم.
وتدعم الأدلة المتعلقة بطبيعة الأسلحة نفسها هذا الترابط بين مسارات تسليح المجموعات العسكرية غير النظامية في السودان وتشاد. فقد وثق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في دارفور ايضاً الاستخدام المكثف لرشاشات عيار 12.7 ملم، من طراز Type 85، إلى جانب رشاشات دوشكا DShK عيار 12.7×108 ملم، والمثبتة على معظم المركبات القتالية «التكنيكال» من طراز تويوتا لاند كروزر المستخدمة في دارفور. ويعني ذلك أن الأسلحة التي تظهر في مسارات التهريب ليست مجرد أسلحة خفيفة مجهولة المصدر، وإنما تشمل أيضاً منظومات تسليح ثقيلة ومعدات عسكرية تتطابق مع ما هو موثق في ترسانة أطراف الحرب.
وعند جمع هذه الوقائع مع فروق الأسعار، وشهادات العاملين في الأسواق، ومسارات التهريب، وعمليات الضبط، واعتراض الشحنات، والتتبع الفني للذخائر، والتوثيق الأممي لإعادة بيع مواد كانت مخصصة لقوات الدعم السريع إلى شبكات مرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية» في النيجر، تتشكل صورة أكثر وضوحاً: مخزونات الحرب السودانية لم تعد محصورة في ساحات القتال السودانية، وإنما دخل جزء منها بالفعل في دوائر إقليمية لإعادة توزيع السلاح تمتد عبر تشاد وليبيا والنيجر، مع مؤشرات على وصول بعض المسارات إلى شمال مالي والساحل الأوسع.
ولا تستند هذه الخلاصة إلى مصدر منفرد أو إلى رواية واحدة، بل إلى سلسلة من الأدلة المستقلة في مصدرها والمتقاطعة في دلالتها: تقارير لجان خبراء الأمم المتحدة، وعمليات ضبط ميدانية، وتتبع تقني للذخائر، وتحقيقات مفتوحة المصدر، ودراسات متخصصة في أسواق السلاح وشبكات التهريب، فضلاً عن الشهادات والبيانات الميدانية. وبينما تختلف هذه الأدلة في طبيعتها وقوتها الإثباتية، فإن تقاطعها حول النتيجة نفسها يعزز بدرجة كبيرة من موثوقية الاستنتاج المركزي: أن مسارات الإمداد التي تغذي مليشيا الدعم السريع لم تعد محصورة على الاستخدام داخل السودان، بل أن جزءاً من الأسلحة والذخائر بات قابلاً للاقتطاع وإعادة التوجيه وإعادة البيع داخل اقتصاد حرب إقليمي يتجاوز حدود السودان.