الأحداث – تقرير
في خطوة أعادته إلى الخلف، صنف تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الاتجار بالبشر لعام 2026 السودان ضمن الفئة الثالثة (أدنى مستويات التصنيف) بعدما حقق في سنوات سابقة تقدما وخرج من اللائحة السوداء، مما يعكس التحديات التي فرضتها الحرب، حسب مراقبين.
وحصل السودان على أفضل تصنيف في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الاتجار بالبشر خلال الأعوام 2018 و2020 الماضية وكذلك في عام 2023 قبيل اندلاع الحرب.
وفي يوليو 2021، أعلنت الخارجية الأمريكية ارتقاء السودان إلى مستوى أفضل في جهود محاربة الاتجار بالبشر وحذف اسمه من قائمة الدول المتورطة في تجنيد الأطفال.
وكان الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أعلن في أكتوبر 2024 إعفاء السودان من العقوبات التي فُرضت بموجب قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر الأمريكي للعام 2000 والسماح باستمرار المساعدات بموجب بنود المساعدات التنموية وبرامج الصحة العالمية.
لائحة اتهامات
واتهم التقرير الأمريكي الحديث الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وأطرافا أخرى في النزاع بتجنيد الأطفال واستخدامهم بصورة غير قانونية، بمن فيهم أطفال جرى تجنيدهم قسرا، مشيرا إلى استمرار هذه الممارسات منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وقال إن الحكومة السودانية لا تستوفي المعايير الدنيا للقضاء على الاتجار بالبشر، وإن السلطات لم تبلغ عن إجراء أي تحقيقات جديدة في الجرائم المرتبطة بها أو محاكمة مشتبه بهم خلال الفترة المشمولة بالتقرير.
وأوضح التقرير أن الحرب فاقمت مخاطر الاستعباد الجنسي والعمل القسري وتجنيد الأطفال، وسط قصور في إجراءات حماية الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وحذّر من تعرض الأطفال المشردين في الخرطوم، بمن فيهم أطفال سودانيون ومهاجرون غير مصحوبين بذويهم من غرب ووسط أفريقيا، للاستغلال في التسول والعمل القسري والبيع في الأسواق والاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي.
كما أشار التقرير إلى استغلال الأطفال في الزراعة ومصانع الطوب وتعدين الذهب وجمع النفايات والبيع في الشوارع. وتواجه النساء والفتيات السودانيات، خصوصا النازحات والقادمات من المناطق الريفية، مخاطر متزايدة من العمل المنزلي القسري والاستغلال الجنسي.
متحامل وغير دقيق
غير أن مسؤولا حكوميا انتقد التقرير الأمريكي ووصفه بأنه متحامل وغير دقيق و”سعى للمساواة بين الجيش وقوات الدعم السريع التي أدانتها منظمات إقليمية ودولية في سلوكها الإجرامي بحق المدنيين”.
وحسب حديث المسؤول للجزيرة نت، فإن اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر واصلت العمل على تحديث خططها ونشاطها رغم ظروف الحرب.
ورفض المسؤول، الذي طلب حجب هويته، اتهام الجيش بتجنيد أطفال في صفوفه، وقال إن السلطات تسلمت من اللجنة الدولية للصليب الأحمر 70 طفلا كانوا مقاتلين في صفوف الدعم السريع، وتم تأهيلهم نفسيا واجتماعيا وتمليكهم مهارات مهنية لإعادة دمجهم قبل تسليمهم لذويهم.
كما يوجد حاليا 300 طفل دون سن الـ18 في مركز بمنطقة سوبا شرقي الخرطوم، كانوا متعاونين مع الدعم السريع وستتولى منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة “اليونيسيف” تدريبهم وإعادة تأهيلهم، حسب كلامه.
واتهم المسؤول الحكومي الدعم السريع باختطاف واستعباد فتيات تم احتجازهن في سجون ومعتقلات بإقليم دارفور وبيع أخريات في دول أفريقية، مشيرا إلى أن التقرير الأمريكي خلا من كل هذه الانتهاكات.
وتواصلت الجزيرة نت مع مصادر في قوات الدعم السريع للتعليق على ما ورد في التقرير الأمريكي بشأن القوات، لكنها أفادت بأنها لم تطلع عليه بعد.
تداعيات محتملة
وفي ضوء ذلك، يعكس التصنيف الأمريكي المنخفض تداخلا بين اتساع الانتهاكات المرتبطة بالحرب، وضعف الملاحقات القضائية، وقصور منظومة حماية الضحايا والوقاية، وفقا لخبراء.
كما أن تصنيف السودان في المستوى الثالث -حسب الخبراء- يترتب عليه عدة تداعيات محتملة، تنقسم بين عقوبات قانونية تنص عليها التشريعات الأمريكية، وآثار سياسية ودبلوماسية أبرزها:
يتيح القانون الأمريكي تعليق المساعدات غير الإنسانية وغير المرتبطة بالتجارة، وبرامج التبادل الثقافي والتعليمي الممولة أمريكيا، للدول المصنفة في المستوى الثالث.
يلزم القانون الإدارة الأمريكية بالتصويت ضد منح هذه الدول قروضا أو تمويلات من مؤسسات مالية دولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، باستثناء التمويلات ذات الطابع الإنساني.
يمنح التقرير المنظمات الحقوقية الدولية سندا سياسيا لتكثيف الضغوط على أطراف النزاع في السودان، وتوثيق الانتهاكات المرتبطة باستغلال المدنيين والأطفال، واحتمال تصنيفها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وللتعاطي مع تداعيات هذا التصنيف السلبي يقترح الباحث والناشط الحقوقي محمد عز الدين على الخرطوم تبني إستراتيجية عملية وموضوعية تقوم على مسارين داخلي وخارجي، ويقول في حديث للجزيرة نت إن أبرز الخطوات الفاعلة في تقديره هي:
تفعيل “اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر”، ومنحها صلاحيات ميدانية وقانونية واضحة تتجاوز التعقيدات الإدارية للحرب.
منع تجنيد الأطفال أو استخدامهم، ومحاسبة المتورطين عبر محاكمات عسكرية ومدنية شفافة.
تسهيل وصول المنظمات المحلية والدولية إلى مناطق النزوح والحدود لتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم النفسي والقانوني والصحي للضحايا.
ملاحقة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ومحاسبة المتورطين وإصدار أحكام رادعة بحقهم.
تشكيل فرق متخصصة للتواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية والجهات المعنية، وتبادل البيانات وتوضيح أثر الحرب في إنفاذ القانون.
إصدار تقارير حكومية دورية وموثقة عن جهود مكافحة الاتجار بالبشر، بما يوضح الإجراءات المتخذة ويفند اتهامات التقاعس.
نقلا عن “الجزيرة نت”