الإسلام والعلمانية في العالم الإسلامي: جدل المرجعية وسؤال المستقبل
Mazin
رمضان أحمد
يتجدد في العالم الإسلامي بين الحين والآخر النقاش حول العلمانية ودورها في إدارة الدولة والمجتمع، ويزداد هذا النقاش حدة كلما واجهت المجتمعات الإسلامية أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وفي السنوات الأخيرة نشطت أصوات عديدة تدعو إلى تبني العلمانية باعتبارها المدخل الوحيد لبناء الدولة الحديثة وتحقيق التنمية والاستقرار. هذه الدعوات مدعومة غربياً، وتتجاهل خصوصية المجتمعات الإسلامية وتجاربها التاريخية، كما تتجاهل المرجعية الحضارية التي شكلت هويتها عبر قرون طويلة.
وقبل الخوض في هذا الجدل، من المهم التوقف عند حقيقتين أساسيتين.
الأولى أن المجتمعات الإسلامية عاشت لقرون طويلة في ظل نظم قانونية وقضائية استندت بدرجات متفاوتة إلى الشريعة الإسلامية، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة من العالم الإسلامي للاستعمار الغربي الذي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة والقانون وفق النموذج الأوروبي الحديث. وخلال تلك المرحلة التاريخية عاش المسلمون وغير المسلمين داخل هذه المجتمعات في أطر اجتماعية وسياسية مختلفة عن المفاهيم الحديثة التي نشأت لاحقاً في أوروبا كمفهوم الأقليات، وهو مفهوم جديد لم يكن معروفاً في تاريخ المسلمين لأن “الأقليات” كانت جزءً أصيلاً في المجتمع ولم تتميز إلا بما يتعارض مع معتقداتها.
أما الحقيقة الثانية فتتمثل في أن كثيراً من الدول ذات الأغلبية المسلمة خلال القرن العشرين لم تعرف أنظمة ديمقراطية مستقرة، بل خضعت في معظمها لأنظمة سلطوية رفعت شعارات متنوعة، قومية أو اشتراكية أو علمانية أو غير ذلك، تحت رعاية مباشرة من الدول الغربية العلمانية، دون أن تتمكن من تحقيق تطلعات شعوبها في الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن تقييم العلمانية في العالم الإسلامي لا ينبغي أن يتم من خلال الشعارات المرفوعة، بل من خلال التجارب العملية ونتائجها على أرض الواقع. وكون الدول الغربية “العلمانية” كانت الداعم والراعي لأنظمة الاستبداد في حد ذاته يطعن في مصداقية الغرب في تطبيق العلمانية وفق النموذج الغربي.
العلمانية .. سياق النشأة والتطور:
العلمانية في أصلها الأوروبي جاءت استجابة لظروف تاريخية خاصة عاشتها أوروبا، حيث نشأ صراع طويل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وبرزت الحاجة إلى بناء نظام سياسي يفصل بين المؤسسة الكنسية وإدارة الدولة. ولذلك ارتبطت العلمانية في نشأتها التاريخية بالسياق المسيحي الأوروبي وبالتحولات الفكرية والسياسية التي صاحبت عصر النهضة والثورة الصناعية. وليس هناك جدال في أن الانعتاق من قبضة التسلط الكهنوتي من ناحية وإطلاق العنان للإبداع والابتكار من ناحية أخرى قد حققتا نهضة مادية غير معهودة.
غير أن انتقال هذا النموذج إلى العالم الإسلامي أثار تساؤلات عديدة، لأن الإسلام لا يعرف المؤسسة الدينية الكهنوتية بالمعنى الذي عرفته أوروبا، كما أن العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة في التجربة الإسلامية التاريخية تختلف عن نظيرتها في الغرب.
ومن هنا ينشأ الخلاف الفكري حول مدى ملاءمة النموذج العلماني الغربي للمجتمعات الإسلامية، وما إذا كان يمثل حلاً لمشكلاتها أم أنه مجرد استنساخ لتجربة نشأت في بيئة تاريخية مختلفة لتكون بمثابة غرس نبتة في غير بيئتها.
الفرد والمجتمع بين الرؤيتين:
من أبرز أوجه الاختلاف التي يطرحها أنصار المرجعية الإسلامية مسألة العلاقة بين الفرد والمجتمع.
ففي التصور الإسلامي تُعد الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، ويولي الإسلام أهمية كبيرة للعلاقات الأسرية وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي، باعتبارها الأساس الذي تتشكل من خلاله شخصية الفرد وتترسخ فيه القيم الأخلاقية والاجتماعية.
ولهذا نجد أن القرآن الكريم والسنة النبوية قد أوليا عناية خاصة بتنظيم العلاقات الأسرية وحقوق أفراد الأسرة وواجباتهم، انطلاقاً من اعتبار الأسرة المؤسسة الأولى في بناء المجتمع واستقراره.
أما النماذج الفكرية العلمانية التي تركز بصورة كبيرة على الفرد وحقوقه واستقلاليته، فيرى بعض المفكرين أنها قد تؤدي أحياناً إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية ويمكن لكل من يعيش في المجتمعات الغربية أن يلاحظ التأثير السلبي لهذه النماذج الفكرية على المجتمع إذ تلاشت مؤسسة الأسرة وأصبح الإنجاب خارج إطار الزوجية هو الأصل وما يترتب عليه من اختلال في التربية.
العدالة والحرية في التصور الإسلامي:
يقوم التصور الإسلامي للحكم على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها العدل والشورى والمساءلة وحفظ الحقوق.
فالعدل في الفكر الإسلامي ليس قيمة نسبية أو مرتبطة بمصلحة فئة معينة، بل هو مبدأ عام يشمل الجميع دون تمييز. كما أن الحرية تُعد أساساً للمسؤولية والتكليف، إذ لا معنى للمحاسبة دون حرية الاختيار.
وفي هذا الإطار ينظر الإسلام إلى الحاكم باعتباره مسؤولاً عن رعاية مصالح الناس وتحقيق العدالة بينهم، لا باعتباره شخصية مقدسة أو فوق المساءلة. وقد شهد التاريخ الإسلامي نماذج متعددة من المحاسبة والرقابة على الحكام والمسؤولين، تجلت في ممارسات الخلفاء الراشدين وغيرهم من قادة الدولة الإسلامية في عصورها الأولى.
مقاصد الشريعة ومعيار المصلحة العامة:
يرى كثير من المفكرين المسلمين أن جوهر النظام الإسلامي لا يكمن في التفاصيل الإجرائية بقدر ما يكمن في تحقيق المقاصد الكبرى للشريعة، والتي تتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
وتُعد هذه المقاصد، في نظرهم، إطاراً أخلاقياً وإنسانياً عاماً يمكن أن يسهم في توجيه السياسات العامة والتشريعات بما يحقق مصلحة الإنسان ويحفظ كرامته وحقوقه الأساسية.
وفي عالم يشهد اليوم أزمات أخلاقية وإنسانية متزايدة، تبرز أهمية النقاش حول إمكانية الاستفادة من هذه المقاصد بوصفها مرجعية قيمية تساعد على تحقيق التوازن بين التقدم المادي والقيم الإنسانية.
بين الدولة والقيم:
يبقى جوهر الخلاف بين المرجعيتين، الإسلامية والعلمانية، مرتبطاً بالسؤال التالي: ما المصدر الذي تُستمد منه القيم والمعايير التي تحكم المجتمع والدولة؟
فالمرجعية الإسلامية ترى أن هناك قيماً أخلاقية ثابتة تستند إلى الوحي، وتشكل معياراً دائماً للعدل والحق والخير والصواب.
أما المرجعيات العلمانية فتميل إلى اعتبار هذه المعايير نتاجاً للتوافق الاجتماعي والتطور التاريخي والقانون الوضعي، وهو ما يجعلها قابلة للتغيير تبعاً لتحولات المجتمعات وموازين القوى السياسية والفكرية.
ومن هنا يستمر الجدل بين الطرفين، ليس حول الوسائل الإدارية أو المؤسسات الحديثة، وإنما حول المرجعية النهائية التي تحدد الاتجاه العام للمجتمع والدولة.
خـاتمة:
إن النقاش حول الإسلام والعلمانية في العالم الإسلامي ينبغي ألا يتحول إلى معركة شعارات أو تبادل اتهامات، بل إلى حوار فكري جاد يبحث عن أفضل السبل لتحقيق الحرية والعدالة والتنمية وصيانة كرامة الإنسان.
في سياق هذا السجال وبدلاً من أن يقتصر دور المسلمين على رد الفعل يتعين على علماء المسلمين ومفكريهم طرح مقاصد الشريعة معياراً للعلاقات الدولية والتجارة الدولية والقوانين والبحث العلمي، بالنظر إلى الخطر المحدق بحياة البشرية فوق الأرض جراء ما يراه العالم اليوم من وحشية النموذج الغربي الذي لا يؤمن بقيم ولا أخلاق ولا مبادئ إلا ما يحقق مصلحته المادية.
غير أن من حق المجتمعات الإسلامية أيضاً أن تطرح السؤال الجوهري: هل يكمن مستقبلها في القطيعة مع مرجعيتها الحضارية والدينية كما يطالبهم به العلمانيون، أم في تطوير نموذج سياسي معاصر يستلهم قيم الإسلام ومقاصده الكبرى، ويستفيد في الوقت نفسه من التجارب الإنسانية الحديثة؟
سيظل هذا السؤال مفتوحاً، وسيظل من أكثر الأسئلة تأثيراً في مستقبل العالم الإسلامي خلال العقود القادمة.